الكلمة الخامسة منها حتى وهي مستعملة في الكلام على وجوه ثلاثة فأحد أوجهها أن تكون جارة إما أصالة عند بعض وأما نيابة عن إلى عند آخر كواو القسم عن الياء فإطلاق العبارة يكون أولى من تعيينها ومعناها جارة كمعناها عاطفة وهو انتهاء الغاية كإلى فإذا دخلت حتى على غير الفعل لا تخلو عن معنى الغاية سواء كانت حرف جر أو عاطفة أو ابتدائية وإذا دخلت على الفعل فإن احتمل صدر الكلام الابتداء وآخره الانتهاء إليه تكون للغاية وإلا فإن صلح بأن يكون سببا للثاني يكون بمعنى كي وإلا فللعطف المحض كالفاء فتدخل بالنصب عطفا له على يكون على الاسم أما ظاهرا فقط كما هو مذهب الجمهور فامتنع دخولها على المضمر استغناء عنه بدخول المثل عليه وأما مطلقا كما هو مذهب المبرد الصريح لا شك أن المراد من الاسم الصريح ههنا اسم ظاهر لا يحتاج في كونها اسما إلى تأويل وتأمل كما أن المراد من المؤول ههنا بخلافه فلا يتوجه الاعتراض بأن مقابل الصريح هو الكناية لا المؤول كما أن مقابل المؤول هو الظاهر لا الصريح ذهنا إلى مصطلح أهل الأصول بمعنى إلى متعلق بتدخل على أنه حال من فاعلها فائدته أنها إذا دخلت على صريح الاسم لا ينفك عن معناها كما أشرنا إليه لكن بينهما فرق من حيث الاستعمال فذهب الأكثر على أن المجرور بها يجب أن يكون خبره خبرا نحو أكلت السمكة حتى رأسها أو ملاقيا لآخر خبر نحو نمت البارحة حتى الصباح ويجب أن يكون داخلا تحت حكم ما قبلها مع كونه أرفع أو أحسن بخلاف مجرور إلى فهذا الحكم إنما يظهر إذا كانت بمعنى الغاية وأما إذا كانت بمعنى التعليل فلا نحو جئتك حتى تكرمني نحو حتى في قوله تعالى: {سلام هي حتى مطلع الفجر} هو مبتدأ خبره سلام قدم عليه للتخصيص وحتى حرف جر ومطلع مجرور بها وجار للفجر قرئ بفتح اللام وكسرها والجار مع مجرورها متعلق بسلام بشهادة صحة المعنى ويجوز أن يتعلق بقوله: {تنزل الملائكة} قيل لا يجوز أن يكون هي مبتدأ أو يكون حتى مطلع الفجر في موضع لأنه لا فائدة فيه أن كل ليلة على هذه الصفة أقول لما كانت ليلة القدر اختصت من بين الليالي بفضائل كانت مظنة تغاير حالها كحال سائرها فأخبر عنها بأنها على حال غيرها فحصل الفائدة كما ترى ونظير هذا قول الشاعر:
وإن تفق الأنام وأنت منهم ...
وحتى بمعنى إلى أيضا في قوله تعالى: {فتول عنهم حتى حين} فتول فعل فاعله أنت مضمر فيه خطاب للنبي عليه أفضل الصلاة والسلام وعنهم متعلق به وحتى حين متعلق به أيضا فمن زعم أن {حتى حين} تكون تفسيرا لحتى مطلع الفجر بمعنى إلى وقت طلوع الفجر فقد سهى سهوا بينا وخرج عن مقصود المتن واسم المؤول عطف الاسم الصريح من متعلق بالمؤول أن المصدرية الناصبة للفعل المضارع حال كونها مضمرة عند سيبويه فإنه قال أنها في كمثل هذا حرف جر والنصب بعدها بإضمار أن ومذهب الفراء أنها ناصبة بنفسها وليست جارة والجر بعدها بنيابتها بباب كما مرت إليه الإشارة ومن الفعل المضارع عطف على قوله من أن فحينئذ يكون تارة أي يجيء تارة بمعنى إلى فيكون حرف غاية نحو حتى في قوله تعالى: {لن نبرح عليه} أي على العجل {عاكفين حتى يرجع إلينا موسى} لن من النواصب ونبرح منصوب بها وهو فعل من الأفعال الناقصة اسمه مضمر فيه خبره عاكفين وعليه متعلق بعاكفين وحتى حرف جر بمعنى إلى ويرجع منصوب بأن مضمرة بعد حتى وإلينا متعلق بيرجع وموسى فاعله والفعل مع فاعله ومتعلقه في تأويل مصدر مجرور بحتى والجار مع المجرور متعلق بلن نبرح الأصل أي أصل هذا القول أن يرجع فعلم من بيان الأصل على سبيل الاستئناف أن الفعل المضارع منصوب بأن مضمرة بعدها كما علم من التفسير على سبيل التدريج في قوله أي إلى رجوعه أي إلى زمن رجوعه أي حتى