الماضي مقيما ولم يجز أن يقول لما يكن فيه مقيما قلت نعم لكن الاستمرار من النفي أصل فكذلك استمرار الحال فإن قلت هل يمكن جعل استمرار النفي مدلولا لها كأصل النفي قلت ذلك بمعونة معنى المقام سلوكا إلى طريق الاستقناع والضبط وكلام المصنف لا يخلو عن إشارة هذا قال الزمخشري إنها النفي قد فعل وليست الاستمرار في النفي في الزمان الماضي كله وأما ما يفهم منه ذلك من نحو عصى إبليس ربه ولما يقدم فإنها يفهم منه بمعونة معنى المقام لا بسبب أنها وضعت له متوقعا بفتح القاف وثبوته أي حصول الفعل كقولك لقوم ينتظرون لركوب الأمير لما يركب قوله ألا ترى إلى آخره زيادة توضيح لما ذكر وهو من أي بمعنى أبصر كما هو المتبادر على طريق تنزيل المقول بمنزلة المحسوس إشعارا بأن ذلك المعقول أمر محقق لا شبهة فيه بلا احتياج إلى تأمل أو بمعنى علم أن المعنى أي معنى الآية والمراد من معناها ههنا ما يستفاد منها في الجملة ولو بمعونة المقام أنهم أي الكافرين لم يذوقوه أي العذاب إلى الآن أي زمن التكلم أي استمر نفي الذوق إلى الحال وهذا بيان استمرار النفي بل إلى الحال كما أن قوله وأن ذوقهم له أي العذاب متوقع أي متوقع ثبوته منتظر بعد الحال بيان توقع ثبوته فإذا ذاقوه زال عنهم الشك وصدقوه مضطرين وحينئذ لا ينفعهم التصديق فإن قلت إن الكافرين ينكرون ثبوت ذوق العذاب ولا يتوقعون فكيف قلت أن ذوقهم متوقع ثبوته قلت التوقع أعم من أن يكون منهم أو من غيرهم والكافرون لما لم يصدقوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وشكوا فيه وفيما جاء به من القرآن حسدا منهم قد اكتسبوا أسباب العذاب فكأنهم قد توقعوا ثبوت ذوق على أن منهم من يعتقده في نفسه حقا ويقينا وإنما ينكره طغيانا وضلالا ويجوز صدق الفعل في لما دون نحو ندم زيد ولما ولا يقال ندم زيد ولم إلا على وجه الضرورة والشذوذ.
لما فرغ من بيان الوجه الثاني من أوجهها شرع في بيان الوجه الثالث منها بقوله ويقال فيها تارة أخرى أنها حرف استثناء كما حكاه الخليل وسيبويه والكسائي فلا اعتبار لإنكار البعض ذلك أو يأول بأنها لا تكون بمعناها على سبيل الحقيقة وأما أنها فيستعمل قليلا في معناهما فإنما هو على سبيل المجاز بشهادة فحوى الكلام ومعونة المقام في نحو {إن كل نفس لما عليها حافظ} في قراءة التشديد أي تشديد الميم فإن قلت إذا كان حرف استثناء فأين المستثنى منه قلت هو محذوف ههنا فتقديره مثلا كل نفس على حالة من الحالات إلا على حالة الحفظ عليها ألا ترى توبيخ لمن أنكر كونها حرف استثناء أن المفسرين قالوا المعنى أي بمعنى الآية ما كل نفس إلا عليها حافظ من الملائكة يحفظ أعمالها من خير وشر أو يحفظ كل نفس من الشياطين لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم من قوله: (( وكل من مائة وستون ملكا يذبون عنه كما يذب عن مصل العسل الذباب ولو وكل العبد إلى نفسه طرفة عين لاختطفته الشياطين ) )فإن نافية وكل مبتدأ خبره ما بعد لما وعليها متعلق بحافظ والمجموع جواب القسم وأما من قرأ بتخفيف الميم فالمعنى أن كل نفس لما عليها حافظ فإن مخففة من الثقيلة وما في لما صلة للتوكيد واللام هي الفارقة بين إن النافية وبين إن المخففة من الثقيلة والمجموع جواب القسم أيضا قيل أعجب الكلمة كلمة لما أن دخل على الماضي يكون ظرفا وإن دخل على الماضي يكون حرفا وإن دخل على غيرها يكون بمعنى إلا.
الكلمة الثالثة من الكلمات السبع المستعملة على ثلاثة أوجه نعم بفتح العين وبكسرها وبعضهم يكسر النون اتباعا لكسرة العين أما وجه ضبط وجوه استعمالها في الثلاثة فهو أن نعم يكون جوابا عن كلام لفظا أو تقديرا والكلام إما خبرا أو إنشاء والإنشاء إما استفهام أو غيره والجواب على حسب ما يجاب عنه فإن وقعت بعد الخبر فالمناسب أن تسمى حرف تصديق وإن وقعت بعد الاستفهام فالمناسب أن تسمى حرف إعلام كما إذا وقعت بعد طلب الفعل تسمى حرف