الثانية من الكلمات المشتركة على ثلاثة أوجه لما فأحد أوجهها أن يختص استعمالها بالماضي لفظا أو تقديرا فيقتضي جملتين وجدت ثانيتهما عند وجود أولاهما ولأجل ذلك يقال فيها تارة في نحو لما جاء زيد جاء عمرو وأنها حرف وجود لوجود أي حرف يدل على ارتباط تحقق الجملة الثانية بتحقق مضمون الجملة الأولى ارتباط السببية فتكون شبيهة بحرف الشرط قال سيبويه أنها حرف بمعنى اللام فمعنى لما جاء زيد جاء عمرو أن مجيء عمرو لأجل مجيء زيد وقال بعضهم أن جواب لما قد يقترن بالفاء وقد يحذف لقيام الدليل عليه فلما اختار حرفيتها أشار إلى رد القول بخلافها بقوله زعم قد وقع في بعض النسخ الواو قبل زعم فالظاهر أنه لا يحتاج إليه أبو علي الفارسي ومتابعوه أنها ظرف بمعنى حين مركبة من لم النافية وما فإذا ركبت نقلت من الحرفية إلى الاسمية وبنيت لمشابهتها بالجازمة في الصيغة إذا دخلت على الماضي لفظا أو معنى فمعنى لما جاء زيد جاء عمرو أن مجيء عمرو في وقت مجيء زيد فقولك لما قتل زيد عمروا اقتص له منه يدل على أن مذهب سيبويه أليق بالقبول فإن المعنى في مثله على التعليل لا على التوقيت لكن الظاهر المتبادر من الكلام هو مذهب الفارسي فمثل القول المذكور وجب أن يؤول بأنه استحق الاختصاص منه ذكر الاختصاص وأريد منه استحقاقه إشعارا بلزوم تحققه.
الوجه الثاني من أوجهها أنها حرف تختص بالمضارع فتجزمه وتقلبه فتنقيه كلم إلا أنها تفارقها في أمور أشار إليه بقوله ويقال فيها تارة أخرى في نحو: {بل لما يذوقوا عذاب} بل من حروف العطف للإضراب يذوقوا مجزوم بلما وعلامة الجزم سقوط نونه وعذاب مفعوله وكان تقديره عذابي فحذف الياء اكتفا بالكسرة لها حرف جزم أي حرف يعمل عمل الجزم وهي مركبة من لم وما عند بعض وبسيطة عند بعض آخر وهو المناسب للحرف موضوع لنفي معنى الفعل المضارع المنقول إلى الماضي وقلبه أي المضارع لا شك أن المنقول إلى الماضي أصالة هو معنى المضارع وأما لفظه فيوصف بالنقل تبعا ولهذا قال المبرد إنها قالبة لمعناه دون لفظه فإن قلت كان حق العبارة أن يقول النفي المضارع بعد قلبه فإن من المعلوم بالضرورة أن معنى لما هو النفي المذكور لا غير قلت لما كان القلب من لوازمها نزل بمنزلة المعنى المستفاد منها مع أنه يمكن أن يكون من قبيل علفتها تبنا وماء باردا وأما تقديم ذكر النفي على ذكر القلب فلأنه هو المقصود مع إنه أقل قيد فإن قلت المضارع إذا نقل إلى الماضي فهل يكون حقيقة في المعنى الأول قلت لا بد أن يكون منقولا عند تعم هو حقيقة في المعنى الثاني فإن قلت فكيف تسميه مضارعا حينئذ قلت باعتبار قلت لا منع من الجواز لاسيما الإثبات هو الأصل في الاستعمال والنفي فرع له كما أن الإفراد أصل والتركيب فرع له لكن الاستعمال ما تحقق فيه فعلا ماضيا فإن قلت يكفي في تحقيق القلب اعتبار معنى المضارع فلا حاجة فيه إلى اعتبار معنى الفعل الماضي قلت هو غير محتاج إليه من حيث التعلل لكنه محتاج إليه من حيث يقصد تفهيم المعنى والمقصود هو الثاني فلما فرغ من بيان الأمر المشترك بينهما أراد أن يشرع في بيان الأمر المختص بلا فقال هو الثاني متصلا نفيه بزمان التكلم فإذا قلت لم يقم زيد يفهم منه انتفاء قيامه في الزمان الماضي متصلا بزمان المنطوق فكذلك لم يحسن أن يقول لما يقم ثم قام بخلاف لم لأن لما لنفي قد فعل وقد فعل إخبار عن الماضي المتصل القريب من الحال ولم لينفي فعل فكلما تحقق نفي قد فعل وقد فعل إخبار عن الماضي تحقق نفي فعل من غير عكس فكذلك قيل أن النفي لم يحتمل الاستمرار نحو: {ولم أكن بدعائك رب شقيا} والانقطاع مثل {لم يكن شيئا مذكورا} فإن قلت النفي على طبق الإثبات فينبغي أن يستمر إلى قريبة من الحال فكذا قال بعضهم أن النفي علما اشترط استمراره إلى قريبة من الحال فقط ولا يشترط ذلك في النفي بلم وجاز أن يقول لم يكن زيد في العامل