الكل ميلا إلى المعنى والتحقيق وأما من قال أنها ظرف مكان يقول العامل فيه وفي إذ ما بعدها فالتقدير جاء زيد في مكان بين أوقات قيامي فيكون إذ حينئذ بدلا من بينا بناء على أن العامل الواحد لا يجوز أن يعمل في ظرف مكان إلا على سبيل البدل ولا يخفى عليك أن بينا ههنا ليس بظرف مكان في التحقيق وههنا وجوه أخر غير ما نقلناه فإذا تقرر هذا التصوير نشرع في تقرير البيت كقوله أي كقول غير ابن لبيد:
فبينما العسر إذ دارت مياسير
يشهد بذلك قوله تعالى: {إن مع العسر يسرا} وقوله عليه الصلاة والسلام: (( لن يغلب عسر يسرين ) )مياسير جمع يسر ويسر ضد عسر فإن قلت الضدان لا يجتمعان في مكان واحد فما تقول في معنى البيت قلت إن الشاعر لما جعل اليسر كالمقارن للعسر لقرب زمانه من زمانه أخبر بأن المياسير الكثيرة موجودة في زمان وجود العسر زيادة تقوية للقلوب وتسلية لمن أصابه الفقر فيكون الغرض بين قوله تحصل هذا المعنى لا بيان وقوعها في شخص واحد في زمان واحد وأما القول أن ما بين أزمان وجود العسر لا ينافي أن يكون ظرفا لدور أن المياسير فبعيد عن معنى البيت بمراحل فيكون التقدير عند من قال بحرفيتها فأجأة المياسير للعسرين أوقات وجوده وإذا تحققت ما قدمت لك من التصوير لا يخفى عليك تقدير سائر الأقوال فيه وقيل التقدير وقت وجود العسر وقت دور اليسر فيكون مبتدأ وخبرا وقيل التقدير بين أوقات وجود العسر دور المياسير فيكون بينما خبر المبتدأ محذوف يدل عليه قوله إن دارت مياسير ويقال فيه تارة أخرى إنها حرف تعليل عند البعض أي حرف دال على تبيين علة الشيء سواء كان تعليلا لميا أو أنيا فإن قلت ينبغي أن يكون مثل هذا أن لا يضبط ولا يندرج تحت القاعدة لجواز أن يكون مجازا وباب المجاز مفتوح قلت أمثال هذا محمولة على أن يكون مشتركة كما هو مختار البعض كإذ وقد وقع في بعض النسخ اللام موضع الكاف فإن قلت مثل هذا لا يصح أن يكون مشاهدا لتحقق احتمال غير التعليل فيها كما يجيء قلت أمثال هذا جائزة في الكلام وواقعة في العلوم فإن عدم صلاحية أمر لأمر من وجه لا يستلزم عدم صلاحية له من وجه آخر كما لا يستلزم سلب الخاص سلب العام في قوله تعالى: {ولن ينفعكم اليوم إذ ظلمتم أنكم في العذاب مشتركون} لن ينفعكم يوم القيامة اشتراككم في العذاب لكون كل واحد منكم به من العذاب ما تبلغه طاقته كما ينفع الواقعين في الأمر الصعب اشتراكهم فيه لتعاونهم في تحمل أعبائه أي لأجل ظلمكم في الدنيا فإن قلت اليوم هل هو متعلق ينفع حتى يفيد السلب الجزئي أو بمعنى النفي المستفاد من لن حتى يكون سلبا كليا قلت كل منهما جائز لكون الثاني أرجح فالأول يفيد غاية شدة العذاب يوم الآخرة حتى لا يحصل نوع من التخفيف بالاشتراك فيه كما يحصل من الاشتراك في غيره من العذاب والثاني يفيد استغراق نفي نفع على أبلغ وجه لكن تعلق الظلم بالنفي ترجيح الثاني لرعاية انتظام الكلام الواو فيه للحال ويجوز أن يكون للعطف باعتبار ما بها كما يجوز أن يكون للاعتراض ولن حرف ناصب ينفع منصوب وكم مفعوله واليوم مفعول فيه وإذا ظلمت بمعنى المقدر مفعول له وإنكم في العذاب مشتركون في تأويل المصدر فاعله وقيل فاعله مشتركون فيه عائد إلى التمني المذكور قبله: {وإنكم في العذاب مشتركون} مفعول له وإذ ظلمتم بدل من اليوم بدل الكل أي لن ينفعكم تمنيكم يوم القيامة لأن حقكم أن تشتركوا في العذاب كما أنتم تشتركون في سببه وهو الكفر إذا صح ظلمكم وتبين ولم يبق لكم ولا لأحد شبهة في أنكم كنتم ظالمين.