في مثل هذا القول مرفوعا بالجار والمجرور على أنه فاعل عند الكوفيين ويجب أن يكون مرفوعا على الابتداء عند البصريين فتكون الجملة ظرفية عندهم كما أنها اسمية عند البصريين وهذا مبنية على أن الاعتماد في عمل الجار والمجرور عندهم لا عند الكوفيين هذا ثم أنه لما فرغ من تفصيل بحث الجار والمجرور له فيه ومعرفة أحكام الجار والمجرور كافية في معرفة أحكامه لكن يجوز مع ذلك الغفلة عنها على الأذهان أراد أن ينبه عليها فقال: تنبيه أي هذا يقول نبهت تنبيها وهو في الاصطلاح عبارة عن عنوان البحث لأتى بحيث يعلم من البحث السابق إجمالا وإن لم يذكر لكنه قد يغفل عنه فيذكر لقصد التفصيل واحترازًا عن قراءته جميع ما ذكرنا من المباحث الأربعة في الجار والمجرور ثابت للظرف أيضا أما الأول الظرف لا بد من تعلقه بفعل تعلق المحل بالحال وأما تعلق الجار بالفعل فتعلق الإفضاء على ما عرفته فلذلك ذكر كل واحد منهما على حدة لكن لما كان بينهما مناسبة ظاهرة وكان تعلق الجار من تعلق الظرف ذكرهما في باب واحد وجعل الأول أصلا والثاني تبعا له نحو: {وجاءوا أباهم عشاء يبكون} فعشاءً ظرف زمان متعلق بجاءوا ويبكون جملة حالية من فاعله أو اطرحوه أرضا فأرضا ظرف مكان متعلق باطرحوه والضمير المنصوب المتصل عائد إلى يوسف عليه الصلاة والسلام فإن قلت أرضا ليس من المبهم على ما فسره كان حق الفعل أن لا يتعدى إليه إلا بلفظة في قلت أنها لما دل بتنكيرها على أرض مجهولة بعيدة من العمران حصل لها إبهام فألحقت بالجهات الست كما ألحق بها عند لإبهامه فنصبت نصب الظروف المبهمة وقيل لما كثر استعمالها حذف حرف الجر منها وجعلت من قبيل قولهم كما غسل الطريق الثعلب أو معنى فعل أي إذا لا بد من تعلقه بمعنى فعل كاسم الفاعل واسم المفعول وأفعل التفضيل وغيره واستعملت ههنا على سبيل المنفصلة الحقيقة نحو زيد مبكر أي مسرع يوم الجمعة فزيد مبتدأ خبره مبكر ويوم الجمعة ظرف زمان متعلق به وجالس أمام الخطيب أمام ظرف مكان مبهم متعلق بجالس والمجموع معطوف على قوله مبكر يوم الجمعة فالمرفوع على المرفوع والمنصوب على المنصوب ففي عطف ظرف المكان على ظرف الزمان إشارة إلى أن ظرف الزمان أصل بالقياس إلى ظرف المكان لشدة احتياج الفعل إليه كما أن في خصوصية المثال إرشاد إلى آداب يوم الجمعة وأما البحث الثاني فهو أن الظرف سواء كان ظرف الزمان أو ظرف المكان إذا وقع بعد نكرة محضة يكون أو حالًا إذا وقع بعد معرفة محضة صفة ومحتملا لهما إن وقع بعد غير محضة فيكون الأقسام الأربعة على قياس ما عرفت في الجار والمجرور مثال وقوعه صفة أي مثال الظرف الواقع صفة لنكرة محضة نحو فوق غصن في قولك مررت بطائر فوق غصن ففوق ظرف مكان مبهم متعلق بمحذوف إن كان متعلقه الفعل تكون الجملة الفعلية مجرورة المحل على أنها صفة طائر وإن كان شبه الفعل يكون مجرورا أو صفة له من حيث اللفظ وإن كان المجموع هو الصفة من حيث المعنى ومثال ظرف الزمان الواقع صفة نحو رأيت قمرا ليلة البدر ومثال وقوعه حالا من معرفة محضة نحو رأيت الهلال بين السحاب فبين متعلقه المحذوف حال من الهلال فإنه معرفة محضة لكون حرف التعريف فيه للعهد لا غير وقد يجعل اسما معربا على حسب العوامل بدون اعتبار الظرفية فيه وقد قرأ (لقد تقطع بينكم) برفع النون ومثال وقوعه محتملا لهما أي للوصفية والحالية نحو يعجبني الثمر الكائن أو كائنا فوق الأغصان فإن الثمر معرف بلام الجنس قريب من النكرة على قياس ما تحققت ونحو رأيت ثمرة يانعة كائنة فوق غصن فإن الثمرة نكرة موصوفة قريبة من المعرفة وذكر ههنا غصنا بصيغة الإفراد والتنكير ليناسب الجنس وتعريفه وأما البحث الثالث فهو أن الظرف متى وقع بعد مبتدأ أو موصول تعلق بمحذوف تقديره كأين أو استقر مثال وقوعه خبرا مع تعلقه بمحذوف والركب ثابت مكانا أسفل منكم أي من مكانكم فالركب مبتدأ وأسفل أفعل التفضيل استعمل بمن صفة مكانا محذوفا