الصفحة 52 من 127

معهم فإنها تتعلق بمصدقا لأنها ليست زائدة محضة إلا أن عمل اسم الفاعل لما ضعف بالنسبة إلى الفعل نزل منزلة القاصر ولا معدية محضة لاطراد صحة إسقاطها فلمثلها منزلة بين منزلتين كالباء في قوله تعالى: {كفى بالله شهيدا} كفي فعل فاعله بالله فالباء صلة فإن الفعل لكمال اتصاله بفاعله لا يحتاج فيه إلى حرف الجر وشهيدا منصوب على التمييز فإن قلت إذا كان زائدا غير مراد فلم عمل عمل الجر قلت لرعاية صورة حرف الجر على أن سلب الإرادة لا يقتضي سلب الدلالة والدلالة متحققة ههنا وإن العمل بحسب الدلالة لا بحسب الإرادة كما مر في قوله تعالى: {وما ربك بغافل} غافل خبر ما التي بمعنى ليس فلا حاجة في ذلك أي إلى حرف الجر فتكون الباء لتأكيد النفي واستغراقه ومن هذا القبيل {أليس الله بأحكم الحاكمين} وفي قولهم أحسن بزيد إذا كان الهمزة فيه للتعدية يكون الباء زائدة فإن كان بزيد فاعل أحسن تكون زائدة في الفاعل كما في {كفى بالله شهيدا} كما هو مذهب سيبويه وإن كان مفعولا تكون زائدة في المفعول كما في {ولا تلقوا بأيدكم} كما هو مذهب الأخفش وإن كانت للصيرورة تكون الباء فيه للتعدية فلا تكون زائدة وكمن في قوله تعالى: {ما لكم من إله غيره} ما بطل عملها لتقدم خبرها على اسمها وإله مبتدأ فتكون من فيه زائدة كالباء في قولهم بحسبك درهم وغيره صفة إله قوله لكم خبر مقدم عليه وفي قوله تعالى: {هل من خالق غير الله يرزقكم من السماء والأرض} ذكر في الكواشي أن خالق مبتدأ محذوف الخبر ومن صلة تقديره هل خالق غير الله لكم إنما احتيج إلى حذف الخبر فيكون استعمال هل على القياس فإنها لا تدخل على مبتدأ خبره فعل إلا على شذوذ نحو هل زيد خرج وكذا قال صاحب الكشاف أن الفعل ههنا مضمر يفسره يرزقكم فإن قلت قد جوز أيضا أن يكون قوله يرزقكم صفة لخالق فكيف يجوز وصف خالق غير الله بالرازقية وما الجن حينئذ قلت أما اعتبار الموصوف والتوصيف ههنا فمجرد تصوير المنفي لا للإثبات فإن الاستفهام فيه للإنكار وكم من مستحيل تعرض ليعلم امتناعه على أوضح وجه ألا ترى إلى قوله تعالى: لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا كيف قد التوحيد على طريقة قياس الخلق والاستثناء وأما الخبر فهو الظرف المحذوف كما مر آنفا قرأ غير الله بالحركات الثلاثة فالجر والرفع على الوصف لفظا ومحلا والنصب على الاستثناء وزيادة من في النفي والاستفهام قياسية وأما زيادتها في الكلام المثبت ففيها اختلاف وعد الباء الزائدة ومن الزائدة من قبيل واحد لاطراد زيادتها في الكلام غير الموجب والحرف الثاني من الحروف الأربعة لعل للطمع وقلما يخلو منه الإنسان فلذا كثر دورها في اللسان ففيها لغات منها لعن على وعن وعن لعن إلى غير ذلك في لغة من يجر الاسم بها علم من هذا أن إسناد الخبر إلى المتكلم حقيقة وإسناده إلى الحروف مجاز كإسناد القطع إلى السكين وهو عقيل تصغير عقيل اسم قبيلة من قبائل الغرب يعني أنهم قبيلة معينة كسائر القبائل ولغتهم معتبرة عندهم فالمقصود من هذا الرد على من قال أن الجر بلعل شاذ وعلى سبيل الحكاية وإنما لم تتعلق بشيء لأنها كالحرف الزائد لأن مجرورها في موضع رفع بالابتداء يدل على ذلك ارتفاع ما بعده على الخبرية كما قال: قال شاعرهم:

لعل أبي المغوار منك قريب

أبي المغوار مرفوع محلا على أنه مبتدأ وقريب خبره ومنك متعلق به وإنما دخلت لمجرد إفادة معنى التوقع لا التعدية كما أن ليت لإفادة التمني وأما الجر بها للتنبيه على أن الأصل في الحروف المختصة بالأسماء أن تعمل عملا مختصا بها وهو الجر والثالث من الحروف الأربعة التي لا تتعلق بشيء لولا الامتناعية إذا دخلت على المضمر فإن تقييدها بقول البعض يشعر بذلك أما لولا التحضيضية فإنها لا يليها إلا الفعل ظاهرا أو مضمرا ومعموله في قول بعضهم أي في كلام بعض العرب

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت