أما ترى رأي حالي لونه طرة صح تحت أذيال الدجى
واشتعل المبيض في مسود مثل اشتعال النار في جزل الغضا
معنى البيت أن شيب الرأس اشتعل في سواده من العشق ومقاساته اشتعالا مثل اشتعال النار في الحطب العظيم من الغضا خص الغضا بالذكر لأنه شجر إذا وقع فيه النار يشتعل سريعا ويبقى فيه زمانا طويلا فإن قلت أليس قولهم اشتعل رأسي شيبا أبلغ من قولهم اشتغل شيب رأسي في سواده وأوجز فلأي شيء عدل عنه ومثله غير عاجز عن إتيان مثله قلت لقصد تصوير حاله على أوضح وجه ولكون المقام مقام البسط والإطناب فكذا يطالب الكلام مع الإحياء واشتعل فعل ماض فاعله المبيض وهو من باب الأفعال وكذا المسود قوله في مسوده متعلق باشتعل كما أن قوله في جزل الغضا متعلق بالاشتعال قوله مثل في قوله اشتعال النار منصوب على أنه صفة مصدر محذوف كضرب الأمير في قولك ضربت ضرب الأمير فالجملة الفعلية معطوفة على جملة حالي كونه في البيت السابق الحاصل أن الاجتماع في الآية مقطوع به وفي النظم مظنون ويحتمل النظم غيره وإن كان ذلك الاحتمال غير مقصود بناءً على أن تعين تعلق في جزل بالمصدر معين تعلق في مسوده بالفعل فإنه أقوى وأوفى لوجه التشبيه فلهذا قال وإن علق الأول أي في مسوده بالمبيض لأنه اسم فاعل فاللام بمعنى الذي فيكون معتمدا على الموصول فإن قلت هذا ظاهر إذا لم تكن اللام عوضا عن المضاف إليه وأما إذا كانت عوضا عن المضاف إليه بأن كان أصله مبيضه فحذف الضمير وعوض عنه اللام فصار المبيض فعلى أي شيء يعتمد قلت على الموصول أيضا فإن التعويض من سنن الإيجاز فلا يخرج شيئا عن معناه ألا ترى أن التاء في قولهم العدة دين عوض عن فاء الفعل مع أنها تاء تأنيث أو جعلته أي جعلت الأول حالا من المبيض حال كونه متعلقا بكائنا مثلا لا بكان واستقتر لئلا يترتب على الشرط قيض الخبر فيكون لفي مسوده متعلقات ثلاثة أولها أعلى وثانيها أوسط وثالثها أدنى فلا دليل حينئذ فيه أي في قول ابن دريد عليه أي على اجتماع الفعل وشبهه ويستثنى من حروف الجر أي يستثنى من قولنا أنه لا بد لكل حرف جر من تعلقه بفعل أو ما في معناه أربعة حروف جر فإن قلت الاستثناء ينافي القاعدة قلت نعم إذا كان القاعدة قطعية وأما إذا كانت استقرائية ظنية فلا ينافيها لأن الاستقراء فيها غير تام فإن قلت كان الأولى أن يقدم الاستثناء على التمثيل ومتعلقاته فإن تأخيره مختلف فيه وعدم تأخيره متفق عليه وأن الخروج من المختلف فيه إلى المتفق عليه أولى قلت سلمناه لكن لا نسلم أن ههنا تأخير الاستثناء غاية ما في الباب أن فيه تأخير أخبار الاستثناء عن أخبار الشواهد لتعلقه بما خرج عن القاعدة كما أن أخبار الاجتماع متعلق بإثبات القاعدة وتوضيحها فعلم من هذا أن الواو في قوله ويستثنى للعطف على قوله وقد اجتمعا من حيث شهادة فحوى الكلام ويحتمل أن يكون للاعتراض وأما فائدة الاستثناء فهي الإعلام بأن أحكام الحروف المستثناة مغايرة لأحكام الحروف الغير المستثناة فلذلك فرع عليه قوله فلا يتعلقن يتعلقن فعل فاعله النون الراجعة إلى الحروف الأربعة بشيء من الفعل وغيره والسر في إثبات التعلق ونفيه أن الفعل عامل كالعاقل فكان النجار إذا كان عاجزًا عن إيصال أثره إلى الخشب يحتاج فيه إلى المنشار وأما إذا كان قادرا على ذلك فليس له احتياج إليه كما إذا وضع الخشب بعضها على بعض بنفسه مثلا كذلك الفعل إذا كان قاصرا عن الوصول إلى الأسماء فأنت تعينه على ذلك بحرفي الجر وأما إذا كان متعديا بنفسه فلا حاجة إلى التوصل بحرف الجر أحدها الحرف الجار الزائد لغرض من الأغراض ويسمى حرف الزيادة صلة لأنها توصل إلى زيادة فصاحة واستقامة وزن أو حسن سجع أو تأكيد إلى غير ذلك وزائدا لأنه لا يتغير بحذفه أصل المعنى وأما اللام في قوله تعالى: مصدقا لما