فإن قلت: من أين علم أن الرحمن ليس بعلم، مع أنه مختص استعماله؟ قلت: من جهة أنه يقع صفة، وأن معناه المبالغ في الإنعام، لا الذات المخصوص. وأيضا لو كان علما لكان قولنا: (لا إله إلا الرحمن) يفيد التوحيد، كقولنا لا إله إلا الله.
والرحيم: فعيل، من (رحم) أيضا، كمريض من مرض. لكن في الرحمن من المبالغة ما ليس في الرحيم، لما تسمعهم يقولون: إن الزيادة في البناء لزيادة المعنى. ومن ثم قيل: إن الرحيم يتناول دقائق النعم ولطائفها، كما أن الرحمن يتناول جلائل النعم وعظائمها.
فإن قلت: ما معنى وصف الله بالرحمة، ومعناها اللطف والحنو؟ قلت: هو مجاز عن الإنعام. قال الإمام الرازي: (إذا وصف الله تعالى بأمر، ولم يصح وصفه به، يحمل على غاية ذلك وملائمه. وهذه قاعدة مطردة في كل مقام) . واستدل بعض المحققين باختصاص الرحمن بالله -تعالى- على أن المجاز لا يستلزم الحقيقة.
وأما قول الشاعر، في مسيلمة:
وأنت غيث الورى لا زلت رحمانا
فليس بحجة، لأنه تعنت في الكفر.
ولما كان مفتتح كل كتاب ينبغي أن يكون مرشحا بالحمد لله، مرتبا بالثناء على رسوله، قال الحمد لله. هو الوصف بالجميل، على جهة التعظيم والتبجيل.
فإن قلت: ما معنى كون حمد العباد لله تعالى، مع أن حمدهم حادث، ولا يجوز قيام الحادث بالله، تعالى؟ قلت: المراد منه تعلق الحمد به، ولا يلزم من التعلق القيام به، كتعلق العلم بالمعلومات. فلا يتوجه الإشكال أصلا. وقد أجاب عنه بعض الفضلاء، بأن الحمد مصدر بناء المجهول. فيكون النائب له هو المحمود به. وقيل: اللام ههنا للتعليل، بمعنى أن الحمد ثابت لأجل الله تعالى، كما في قولك: الدار لفلان.
رب معناه: مالك. من ربه يربه فهو رب. وقيل هو في الأصل بمعنى التربة_ وهي تبليغ الشيء إلى كماله شيئا فشيئا_ ثم وصف به للمبالغة، كما وصف بالعدل والصوم. وهو اسم من أسماء الله_ تعالى_ ولا يطلق على غيره إلا مقيدا، كقولهم: رب الدار، وقوله تعالى: {ارجع إلى ربك} . وقد استعمل في الجاهلية للملك، لأنه لحفظه ما يملكه. قال الشاعر:
وهو الرب، والشهيد على يوم الحوارين، والبلاء بلاء العالمين.
والعالم اسم لما يعلم به كالخاتم، ثم غلب استعماله فيما يعلم به الصانع.
وإنما جمع، ليتحقق شموله كل جنس مما سمي به. وقيل هو اسم لذي العلم من الملائكة والثقلين، وتناوله لغيرهم على سبيل الاستتباع.
ثم لما وجبت الصلاة بالشرع على النبي -صلى الله عليه وسلم-وكانت من سنة الخطبة قال: والصلاة-فعلة من صلى إذا دعا. والمراد منه ههنا هو المعنى المجازي. والاعتناء بشأن المصلى عليه، وإرادة الخير له- على محمد. سمي به لكثرة خصاله المرضية. قال حسان:
وشق له من اسمه ليجله ... فذو العرش محمود وهذا محمد
سيد-من ساد قومه سيادة فهو سيد. وزنه: فعيل. فيكون أصله (سيود) ، قلبت الواو ياء وأدغمت الياء في الياء- المرسلين. قيل: الرسول أخص في الشرع من النبي. فكل رسول نبي، من غير عكس.