بها وما يدري منها إلا ما يمر بجنبيه من الكد والتعب وكل من علم ولم يعمل بعلمه فهذا مثله وبين المثل قوله: فإن المراد لفظ بالحمار إلى آخره متعلق بقوله المحتملة تعلق العليل بالمعلل الجنس من حيث تحققه في ضمن فرد من أفراده فيكون من قبيل المعهود الذهني كقولهم ادخلوا السوق واشتروا اللحم فلا يكون المراد منه الجنس من حيث هو ولا من حيث الاستغراق ولا المعهود الخارجي كما لا يخفى وذو التعريف الجنسي أي اسم الجنس المعرف بلام الجنس إنما عدل عنه إلى قوله ذو التعريف الجنسي لقصد التفنن والإيجاز والإشارة إلى أن الاشتقاق في قولهم المعرف بلام الجنس عن طريق النسبة كقولهم زيد تامر لا على طريق الاشتقاق الحدوث كقولك زيد ضارب مثلا يقرب من النكرة معنى وإن كان معرفة لفظا وفي قوله ههنا يقرب من النكرة وهناك قد قرب من المعرفة إشارة إلى أن مناسبة القسم الرابع للنكرة أشد من مناسبة القسم الثالث للمعرفة ورمز إلى أن الوصفية ههنا أولى من الحالية فكيف لا والعامل في الحال ليس بظاهر ههنا وكذا المعنى على الحالية كما أن الحالية هناك أولى من الوصفية فإن قلت الأولوية تنافي الاحتمال قلت المراد من الاحتمال الجواز بحيث لا يصل أحد الوجهين إلى حد الوجوب والقطع فلا منافاة بين الرجحان والاحتمال ألا ترى إلى قولهم الخبر يحتمل الصدق والكذب مع أن احتمال الصدق راجح هذا ثم أن المعرف بلام الجنس يوجد فيه اعتبار التعريف من حيث النظر إلى الجنس نفسه واعتبار التنكير من حيث أنه يلاحظ حال كونه في ضمن فرد من أفراده فيعطي لكل واحد من الاعتبارين ما يليق به من الأحكام فلهذا قال فيحتمل الجملة من قوله تعالى: {يحمل أسفارا} أي تحتمل جملة يحمل أسفارا وجهين أحدهما الحالية لأن الحمار قد جاء بلفظ المعرفة فيحمل حالا نظرا إلى اللفظ والثاني من الوجهين الصفة أي الوصفية لأنه كالنكرة في المعنى فجعلت صفة نظرا إلى المعنى ومن هذا التمثيل قوله تعالى: {وآية لهم الليل نسلخ منه النهار} وكذا قول الشاعر:
ولقد أمر على اللئيم يسبني
فإن قلت كيف يكون كالنكرة في المعنى وأن معناه جنس قد أشير إليه باللام فيكون معرفة لفظا ومعنى معا قلت سلمنا أن نظر إلى نفس معناه لكن لا يسلم إذا نظر إليه حال كونه في ضمن فرد من أفراده بل هو حينئذ معرفة لفظا بدون معنى كما أشرنا إليه من قبل أو تقول لما كان اسم الجنس ههنا وسيلة إلى تأدية المعنى الجزئي منه وكأن ذلك الجزء نصب المعنى والجنس سابق الاعتبار كان تعريف الجنس كلا تعريف فيكون كالنكرة في المعنى من حيث قطع الإشارة إلى معناه.
الباب الثاني من الأبواب الأربعة في بيان أحكام الجار والمجرور وكذا في بيان أحكام الظرف على سبيل التبعية وفيه أي في الباب الثاني أيضا أي كالباب الأول لكن هذا التفسير تفسير بالنسبة إلى حال معناه لا إلى نفس معناه فإنه مصدر حذف فعله سماعا تقديره آض أيضا بمعنى رجع رجوعا والغرض من إتيانه الإشارة إلى المناسبة بين البابين وإلى بيان الترتيب بينهما أربع مسائل فالجملة حال من المبتدأ العامل فيها معنى الإشارة المستفادة من حرف التعريف الداخل عليه كما في قوله تعالى: {وهذا بعلي شيخا} فيكون الواو فيها للحال ويجوز أن يكون للاعتراض فيكون الجملة اعتراضية إحداها أي أولها عدل عنه دفعا من أول الأمر لتوهم سؤال الترجيح أنه أي الشأن قد أتى بضمير الشأن إشعارا بأن الجملة التي تأتي بعده تتضمن معنى بديعا ألا ترى أنهم لا يقولون هو الذباب طائر لا بد فيها من تعلق الجار أولا كما لا بد من تعلق المجرور فالتعلق الأول تعلق لإفضاء الثاني كتعلق المعلول بالعلة فكذا فرد ذكر الجار عن ذكر المجرور ههنا ويجوز أنى يكون تقدير الكلام لا بد من تعلق الجار والمجرور كما هو المناسب لقوله في الجار والمجرور لكنه لا يلائم ضمير