ضربت القوم حاشا زيدًا وإن جعلتها حرفا خفضت بها نحو ضربتهم حاشا زيد وعدا بكرًا أي جاء القوم عدا بعضهم بكرًا ونظير ذلك جاء القوم ليس زيدًا ولا يكون عمرا وليس إلا ثم لما أراد المصنف رحمه الله زيادة استحكام ما بناه بقول من يوثق به ونقل المذهب المخالف في حتى الابتدائية قاصدًا إبطاله فكذا آخر هذا المثال عن مثال الجملتين المستأنفتين وإن كان اعتبار التناسب يقتضي التقدم قال ومن مثلها أي بعض أمثال الجملة الواحدة المستأنفة استئنافا نحويا قوله أي قول جرير إنما جاز الإضمار بدون الذكر بناء على اشتهاره وتعينه
فما زالت القتلى تمج بدجلة حتى ماء دجلة أشكل
ما زالت فعل من الأفعال الناقصة اسمه القتلى ووزنه فعلى جمع قتيل بمعنى مقتول تمج فعل فاعله ضمير مستتر فيه عائد إلى القتلى مفعوله دمائها يقال مج الرجل الشراب من فمه إذا رمى به قوله بدجلة متعلق به على أنه مفعول فيه ودجلة اسم نهر ببغداد غير منصرف للتأنيث والعلم فلهذا لا يدخل عليها الألف واللام فالفعل مع معموله منصوب المحل على أنه خبر مازالت وحتى حرف من حروف الابتداء ماء مبتدأ مضاف إلى دجلة وإنما جيء بالمظهر مقام المضمر لقصد التقريب ودفع الالتباس قال الله تعالى: {وبالحق أنزلناه وبالحق نزل} ، خبره أشكل يقال دم أشكل إذا كان فيه بياض وحمرة وجملة ماء دجلة أشكل مستأنفة لا محل لها من الإعراب ثم إن حتى إذا كانت حرف ابتداء وجب أن يكون ما قبلها سببًا لما بعدها لأنه لما بطل الاتصال اللفظي بينهما لمانع وجب الاتصال المعنوي لتحقق الغاية التي هي مدلولها كقولهم مرض فلان حتى أنهم لا يرجونه فالمرض سبب عدم الرجاء فيكون ما بعدها جملة لفظًا ومعنى أي جملة كانت فيكون مانعًا لدخول حرف الجر فإن حرف الجر لا يدخل إلا على المفردات أو على ما في تأويلها فعلم أنها ليست بحرف جر لعدم صلاحية الموضع وقيل أن الجملة الواقعة بعد حتى الابتدائية غير مستأنفة واستدل عن ذلك ما نقل عن الشيخ أبي إسحاق الزجاج وعن الشيخ عبد الله ابن درستويه من أن الجملة الواقعة بعد حتى الابتدائية في موضع جر وهذا وإن كان أقرب إلى الضبط لكن خالفها الجمهور أي أكثر النحاة وقالوا أنها ليست بحرف جر لأن حتى لو كانت حرفًا من حروف الجر لما علقت عن العمل ههنا لأن حروف الجر لا تعلق عن العمل لما أن التعليق من خواص الأفعال اتفاقًا فلا يجوز في غيرها سواء كان اسمًا أو حرفًا لكنها قد علقت عن العمل بناءً على أن عملها قد بطل من حيث اللفظ وإن كان معتبرًا بحسب المعنى عندهما هذا غاية تقرير الدليل وأنه أخفى من الدعوى كما لا يخفى على أن التعليق لا يتصور ههنا أصلا سواء كان في حتى أو في غيرها أما في حتى فلأن إبطالها نفسها عن العمل لفظًا غير معقول وأما غيرها فلأن المشهور أن التعليق إنما يكون في أفعال القلوب أو في ما يفيد معناها فليس ههنا أفعال القلوب ولا فعل يفيد معناها وأما استعمال التعليق فيما حكم بحكمه فغير متعارف فالتحقيق أن اعتبار الجر في محل الجملة لا يستلزم التعليق وإنما يستلزمه لو كان المحل قابلًا للجر لفظًا لكن من المعلوم أن الجملة من حيث هي جملة غير صالحة فإن قلت قوله لأن حروف الجر لا تعلق عن العمل مع قوله ولوجوب كسر إن دليل على المطلوب فحينئذ لا يتوجه الإشكال قلت الشق الثاني كاف في إثبات المطلوب فلا حاجة إلى ضم المفيد إلى غير المفيد ولوجوب كسر همزة إن لكون ما بعدها مظنة الجملة كما أن إن بالفتح مظنة المفرد ومعلوم أن الجملة من حيث النظر إلى ذاتها بلا اعتبار وقوعها موقع المفرد لا تصلح للإعراب أصلًا فضلًا عن صلاح الجر في نحو قولك مرض زيد حتى إنهم لا يرجونه، فإن قلت لا شك أن الدليل الثاني يشارك الدليل الأول في إثبات المطلوب وفائدته المبالغة في الرد على الخصم لكن فالفرق بينهما قلت إن الاستدلال الأول استدلال باعتبار حال