مذ يومان فهذا أي مجموع هذا القول كلام مستأنف فلم يصرح به لكونه معلومًا بالبديهة تضمن تضمن الكل لأجزائيه فيكون الضمين عن التضمين جملتين مستأنفتين أحدهما جملة فعلية مستأنفة استئنافًا صناعيا أي نحويا مقدمة على الجملة الأخرى تقدم العلة على المعلول وإلا فبيان التقدم الذكرى ههنا ربما يفضي إلى إخلاء الكلام عن الفائدة والثانية جملة اسمية مستأنفة استئنافا بيانيا مؤخرة عنها ويجوز أن يجعل كلتا الجملتين استئنافا بيانيا وهي أي جملة مذ يومان في التقدير جواب السؤال ناشئ عن الجملة المتقدمة مقدر لقيام القرينة الدالة عليه فكأنه شروع في تفصيل السؤال والجواب وإنما فصله على سبيل الظن والتخمين لأن كونها استئنافا إقناعي غير مقطوع فإن مثل أبي سيعد السيرافي قال إنها حال وقد ذهب بعض الكوفيين إلى أن يومان فاعل بفعل محذوف والتقدير ما لقيته مذ مضى يومان وقال البعض الآخر منهم إن خبر المبتدأ محذوف فيكون التقدير ما لقيته من الزمان الذي هو يومان فيكون الكلام جملة واحدة على هذا لما قلت ما لقيته قيل لك ما أي كم فلو أتي به بدله لكان أظهر في المقصود أمد ذلك أي جميع زمان عدم الملاقات فكأنه قيل يومان جميعه أم أكثر فيكون اسما متضمنا المعنى الاستفهام مرفوع المحل على أنه خبر المبتدأ فلهذا قدم قوله ما أمد ذلك هو السؤال المقدر فقلت مجيبا له أمده أي جميع زمان عدم الملاقات يومان ومثلها أي مثل جملة قولك ما لقيته مذ يومان في اشتمال الجملتين المستأنفتين جملة قولك قام القوم خلا زيدًا فكأنك إذا قلت قام القوم قيل لك أقل خلا القوم عن زيد فقلت خلا أي القوم زيدًا فيكون الضمير المستقر فيه عائد إلى القوم كما هو الظاهر ولا حجر عن ذلك فإن القوم من أسماء الجموع كالربط مفرد اللفظ مجموع المعنى وقيل أن الضمير المستكن فيه عائد إلى بعض المفهوم من الكلام لا يثنى ولا يجمع ولا يؤنث وقيل عائد إلى الاسم الموصول المفهوم من معنى الكلام بمعونة المقام فيكون تقدير قولك قام القوم خلا زيدًا، قام القوم خلا هو أي خلا من قام زيدًا فالذي قدمناه خال عن هذه التمحلات لكنه غير مطرد في قولك جاء الرجال خلا زيدًا، قال سيبويه خلا وعدا فعلان ضمنا معنى الاستثناء وقال بعض النحاة هما حرفا جر ولو جعلتهما من قبيل المشترك بين الفعل والحرف وإن كان التضمين أكثر من الاشتراك استدلالًا عليه بموارد الاستعمالات كما هو المناسب للبحث اللفظي لا خرجت عن سمت الصواب فلعل قول السيرافي أن خلا وعدا مع معموليهما منصوبان على أنهما حال تارة وأخرى لا محل لها من الإعراب يقوي ما قلناه هذا إن كانا غير مصدرين بما وأما إن صدرا بها فهما فعلان اتفاقا قال لبيد:
ألا كل شيء ما خلا الله باطل وكل نعيم لا محالة زائل
فقد ظهر أن كون جملة خلا زيدًا مستأنفة إنما هو مذهب الجمهور وحاشا عمرا قال المبرد حاشا فعل على وزن فاعل مأخوذ من الحشا وهو الجانب فمعنى قولك هجم القوم حاشا زيدًا بمعنى جانب بعضهم زيدًا قال بعض العرب اللهم اغفر لي ولمن يسمع حاشا الشيطان بالنصب ويقال وما أحاشى من القوم من أحد وقد تحذف ألفه لقولهم حاش لزيد وقرئ (حاش لله) بلا ألف فكل ذلك دل على أنه ليس بحرف قال سيبويه حاشا لا يكون إلا حرف لأنها لو كانت فعلا لجاز أن تكون صلة كما يجوز ذلك في خلا فلما امتنع أن يقال جاءني ما حاشا زيدًا دلت على أنها ليست فعلا قال الشاعر حاشا أي ثوبان أنه به ظنا على الملجأة والشتم وقيل أنها اسم من أسماء الأفعال كأنه بمعنى برئ فمعنى حاشا لله بمعنى برأه الله من السوء ودخول اللام في فاعلها لدخول اللام في فاعل هيهات، في قوله: {هيهات هيهات لما توعدون} ، قال الجوهري حاشا كلمة يستثنى بها قد تكون حرفًا وقد تكون فعلًا فإن جعلتها فعلا نصبت بها فقلت