الصفحة 32 من 127

شهادة عدل والملأ الأعلى هم الملائكة لأنهم يسكنون السموات والإنس والجن هم الملأ الأسفل لأنهم سكان الأرض بعد قوله تعالى: {وحفظا من كل شيطان مارد} المعنى وحفظنا السماء حفظًا، السماء بالشهب من كل شيطان خارج عن طاعة الله لا يقدرون أن يستمعوا فإن قلت المراد من السماء ههنا من السماء الدنيا أي القربى ولا شك أنها فلك القمر والكواكب الثوابت في غيره إنما كان دل عليه الرصد فمعنى حفظها وزينتها بالكواكب الثابتة قلت بعد تسليم دلالة الرصد أنها في فلك القمر بحسب الرؤية والنظر وإن كانت في غيرها بحسب زعم أصحابنا الرصد على أن الحفظ غير مستبعد بالكواكب الثابتة وكذا حال التزيين قال الشاعر:

تريك القذى من دونها وهي دونه وفيه

احتمالات أربع اثنان منها مردودان وواحد مرجوح والآخر مختار فأحد الأولين جملة لا يسمعون صفة لشيطان وليس المعنى بمستقيم عليها لأن حفظ السموات لأجل أن الشياطين يطلعون إليها ويسمعون أخبارها ويضلون الناس فإذا كانوا غير مستمعين ولا سامعين فلا فائدة في حفظ السماء منهم والثاني احتمال الحالية القول فيها كالقول في الصفة لأنها صفة في المعنى فإن قلت أجعلها حالا مقدرة أي حفظا من كل شيطان مارد مقدرا عدم سماعه بعد الحفظ قلت الذي يقدر وجود معنى الحال هو صاحبها في قولك مررت برجل معه صقرًا صائدا به غدا أي مقدرا حال المرور به أنه يصيد به غدا والشياطين لا يقدرون عدم السماع ولا يريدونه والثالث أن أصله لئلا يسمعوا حذف اللام كما حذفت في قولك حينئذ أي تكرمني أي لأن تكرمني فبقي أن لا يسمعوا ثم حذفت أن وأهدر عملها كما في قول الشاعر:

ألا أيهذا الزاجري حضر الوغى

وهذا مستقيم من جهة المعنى لكنه كثرت الحذف كما قرئ قال صاحب الكشاف كل واحد من هذين الحذفين غير مردود على انفراده فأما اجتماعها فمنكر من المنكرات وصون القمران عن مثل هذا التعسف واجب والرابع وهو الاحتمال الراجح أن يكون جملة منقطعة عما قبلها وفائدتها الاقتصاص لما عليه حال المشرفة السمع قال صاحب الكشاف ولا يجوز استئنافا لأن سائلا لو سأل لم تحفظ من الشياطين فأجيب بأنهم لا يسمعون لم يستقم فبقي أن يكون كلاما منقطعا مبتدأ أقول الاستئناف ليس بمنحصر في السؤال عن الكمية لجواز أن يكون سؤالًا عن الحال كما في قوله تعالى: {رأيتهم لي ساجدين} على أحد وجوه التأويل والمقام يناسبه ظاهرا فجوز فإن سلب الخاص لا يكون دليلا على سلب العام فإن قلت لعله أراد سلب جواز الخاص بقرينة التعليل لا بسلب جواز مطلق الاستئناف قلت قوله فبقى أن يكون كلاما منقطعا مبتدأ لا يساعد ذلك على أنه عدول عن الظاهر وتسليم ورود الاعتراض عليه فإن قلت لو احتمل الاستئناف ههنا السؤال عن الحال لا يكون جملة لا يسمعون منقطعة عما قبلها والمقدر خلافه قلت المراد من الانقطاع من جهة الإعراب كما أشرنا إليه فلا ينافي الاتصال من جهة المعنى وليس أي جملة لا يسمعون صفة للنكرة وهي شيطان واستعمال النكرة ههنا لا يخلو عن دقة ولا يجوز أن يكون حالا منها مقدرة أي منتظرة ومستقبلة للحال فيكون تارة محققة كقولك جاءني زيد راكبا وأخرى مقدرة كقولك هذا زيد مسافر لوصفها أي لكونها موصوفة بمارد فيكون تعليلا للجواز كما أن قوله لفساد المعنى للكلام أي لخروج الكلام عن الإفادة كما مر تقديره في بيان الوجوه الأربعة تعليل مجموع السلبين أو تعليل الثاني اكتفاء به عن تعليل الأول كما هو المناسب لنجز الألفاظ وتقول في استئناف الجملتين نسبة هذا الاستئناف إلى الاستئناف المذكور كنسبة البسيط إلى المركب فلذا أخره عنه في الذكر ما لقيته

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت