فإن قلت: إذا كان المتعلق هو القراءة عنده فما معنى قوله: (على معنى: متبركا باسم الله أقرأ) ؟ فإن المتبادر من هذا القول أن المتعلق هو التبرك لا القراءة، فلا يتم التقريب. قلت: إن هذا ميل منه إلى جانب المعنى، لا بيان المتعلق. ألا ترى أنهم يقولون: معنى كتبت بالقلم بمعنى كتبت مستعينا بالقلم، ومعنى سرت من البصرة معنى سرت مبتدئا من البصرة؟ وأمثال هذا أكثر من أن تحصى.
ومن قال: (إن الجار مع المجرور متعلق بالحمد، فيكون المتعلق مذكورا) فقد نفى. فإن ذلك بعيد من جهة اللفظ والمعنى. فإن القصد ههنا إلى نفس الحمد، لا إلى تعلقه، كما لا يخفى على ذوي الفطرة السليمة. هذا، وإن المحذوف ثابت لغة، ساقط ذكرا. وإلا فلا يكون الحذف من الأبحاث المتعلقة باللغة.
البحث الثالث: أن ما ذهب إليه صاحب (الكشاف) ههنا هو المختار. فإن فيه قلة الحذف؛ رعاية بحق خصوصية المقام، ودلالة على اختصاص القراءة باسم الله، وتعليما للمؤمنين بأن طريقهم هو الحق والصواب، أو تعريضا للكفار بأن سبيلهم هو الخطأ والطغيان. فمعلوم أن هذه الاعتبارات تناسب نظم القرآن: وتشهد بفصاحته وغاية إعجازه. وأما ما ذهب إليه البصريون والكوفيون فهو خال عما ذكر. بل غاية جل أمره بيان المتعلق من غير رعاية المقام. وأنت خبير بأن التقدير مهما كان أوجز كان أولى، لاسيما مع تلك الدقائق اللطيفة.
فإن قلت: فلا يكون الابتداء بـ (بسم الله) على ما اختاره، وقد ورد الحديث: (( كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه ببسم الله فهو أبتر ) ). قلت: الابتداء أمر عرفي، يعتبر ممتدا من حين الأخذ إلى الشروع في البحث والمقصود، فيحصل الابتداء بـ (بسم الله) . وقول من قال: (إن المراد من الابتداء هو الفعل الذي يبتدأ به ويشرع فيه، كالقراءة ونحوها) فهو مردود، لأنه يخالف المفهوم الظاهر من الحديث.
فإن قلت: يقدر المتعلق (ابتدئ) يلائم مفتتح الكلام ويناسب منطوق الحديث. قلت: نعم لكن رعاية مقتضى المقام أمر راجح، وشاهد يكشف أسرار بلاغة نظم القرآن.
البحث الرابع: أن قوله، عليه السلام: (( كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه بالحمد فهو أجذم ) )يعارض قوله، عليه السلام: (( كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه ببسم الله فهو أبتر ) ). فإن الابتداء بأحدهما يفوت الابتداء بالآخر. فكيف التوفيق بينهما؟
قلت: الأصل أن الدليلين إذا تعارضا لا يتركان، مهما أمكن الجمع بينهما.
فإن الإعمال بينهما بقدر الإمكان أولى من الإهمال بالكلية، ومن الإعمال بأحدهما.
فحمل حديث التسمية على ابتداء الكلام، بحيث لا يسبقه أمر من الأمور، وحمل حديث التحميد على ابتداء ما عدا التسمية. فإن حديث البسملة أقوى، بكتاب الله الوارد على هذا المنوال، وبالإجماع المنعقد عليه.
فإن قلت: أرى كثيرا من الأمور يبتدأ فيه بـ (بسم الله) مع أنه لا يتم، وأرى كثيرا بالعكس. فما المراد من الحديث؟ قلت: المراد منه ألا يكون معتبرا في الشرع. ألا ترى أن الأمر الذي ابتدئ فيه بغير اسم الله غير معتبر شرعا، وإن كان تاما حسنا؟
هذا، وإن الاسم أصله (سمو) عند البصريين، حذف آخره وبني أوله على السكون، وأدخل عليه مبتدأ به همزة الوصل، لأن عادة العرب أن يبتدئوا بالمتحرك، ويقفوا على الساكن.