الصفحة 2 من 127

بسم الله الرحمن الرحيم

رب زدني علما

الحمد لله الرافع لقواعد الدين والإسلام، الناصب لرايات الهدى إلى دار الخلد والسلام، والصلاة والسلام على الرسول محمد سيد الأنام، وعلى آله وأصحابه النجباء الكرام، ما ركع الساجد مع الإمام، وأزهر النور في الأكمام.

أما بعد، فإن العبد المستمد من فيض فضل العزيز الوهاب، محمد بن سليمان المشهور بكافيجي بين الأصحاب، يقول:

لما رأيت الكتاب المسمى بـ (الإعراب عن قواعد الإعراب) للشيخ الإمام جمال الدين أبي محمد، عبد الله بن يوسف بن هشام ـ رزقه الله حسن المآب ـ في غاية حسن الوقع عند ذوي الألباب، ونهاية عموم النفع لمن تأمله من الطلاب، لكنه غير مستغن عن شرح يسفر عن وجوه مخدراته النقاب، ويبرز خفي مكنوناته من وراء الحجاب، استخرت الله ـ تعالى ـ أن أرتب له شرحا يسهل بذلك أبيات شوارده الصعاب، ويكشف عما أودع في قواعده لتحقيق شبه الشك والارتياب، ويجعل الخفي من لطائف مستودعاته كالشمس مشرقة بعد تكشف السحاب، وأضفت إلى ذلك من المباحث التفسيرية وغيرها ما يناسب سياق الكتاب، مستمسكا بحبل الصواب. وهو المعين ومفتح الأبواب.

قال الشيخ، اقتداء بكتاب الله الكريم: باسم الله الرحمن الرحيم. أقول: ههنا أبحاث، لا بد من التنبيه عليها.

فالأول: أن الباء حرف من حروف المعاني، يؤتى بها لربط أمر بأمر، ومناها ههنا المصاحبة والملابسة، كما في قوله تعالى: {تنبت بالدهن} . ويجوز أن تكون للاستعانة، كالباء في قوله: كتبت بالقلم. فاعلم أن الأول يناسب الدراية، والثاني يناسب الرواية. لكن الأول لما كان أظهر رجح على الثاني.

فإن قلت: إذا جاءت الحروف على حرف واحد فالقياس أن تبنى على الفتحة التي هي أخت السكون، نحو كاف التشبيه. فما بال الباء بنيت على الكسر؟

قلت: لما كانت لازمة للحرف والجر اقتضت ذلك.

البحث الثاني: أن متعلق الباء محذوف فعند البصريين تقديره ابتداء وكائن باسم الله فيكون المحذوف حينئذ ثلاثة أشياء: المضاف والمضاف إليه والكون ـ وعند الكوفيين تقديره: ابتدأت باسم الله. فيكون الجار مع المجرور في محل نصب متعلقا بالفعل المحذوف، منصوب المحل.

قال صاحب (اللباب) : قول النحاة: (الجار مع المجرور في محل النصب) محمول على المسامحة، إذ لا شك أن منصوب المحل هو المجرور فقط، بشهادة المعنى المستقيم، وبدلالة الذوق السليم. أقول: يدل على ذلك إدخال كلمة (مع) على المجرور. فإنها تدل على المتبوعية والأصالة. ألا ترى أنهم يقولون: جاء الوزير مع السلطان، ولا يقولون: جاء السلطان مع الوزير؟

فإن قلت: الجار له تعلق بمعنى الفعل، فالمجرور له به تعلق. فما الفرق بينهما؟ قلت: تعلق الجار من جهة الإفضاء، وتعلق المجرور من جهة المعمولية. فمعلوم أن محل الإعراب إنما يتصور في الجهة الثانية، فقط.

وعند صاحب (الكشاف) يقدره (بسم الله أقرأ) كما إذا قال المسافر في وقت ارتحاله: (باسم الله) فإنه يتعلق بـ (أرتحل) ، أي: باسم الله أرتحل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت