والنوع الثاني: هو الذي ليس معه حرف التفسير، نحو: ناديت يا زيد اركب معنا. فهذه الجملة في محل النصب اتفاقا. لكن النصب عند البصرة بقول مقدر، وعند الكوفة بالفعل المذكور. قال صاحب الكشاف: (إن الجملة الأولى إجمال، والثانية تفصيل) . فهذا يشعر بأنها مفسرة، لا محل لها من الإعراب عنده. وقد تحكى الجملة بعد القول الصريح، بقول آخر محذوف، كقوله:
قالت له وهو بعيش ضنك لا تكثري لومي وخلي عنك
فالتقدير: قالت له: أتذكر قولك؛ إذ ألومك في الإسراف في الإنفاق: لا تكثري لومي؟ فحذف المحكية بالقول المذكور وأثبت المحكية بالقول المحذوف اعتمادا على الفهم. ثم الجملة التي تكون محكية بالقول قد تكون في محل الرفع، نحو: قيل: زيد قائم، أي: هذا القول. قال الله تعالى: {وإذا قيل لهم آمنوا} .
وثانية - معطوف على قوله: (محكية) أي: الموضع الثاني من المواضع الأربعة الذي تقع في الجملة فيه مفعوله ثانية -المفعول الأول - متعلق بالوقوع. وبجوز أن يكون صفة لقوله: ثانية -في باب (ظن) : متعلق به أيضا. أي: في أفعال القلوب التي تتعدى إلى مفعولين. فإن أصل المفعول الثاني خبر، والخبر قد يكون جملة، فكذلك المفعول الثاني. فلهذا لا يقع المفعول الثاني جملة في باب: أعطيت. وأما نحو: (سمعت زيد يقرأ) فقد قيل: إنه يتعدى إلى مفعولين. فجملة (يقرأ) منصوبة المحل، على أنها مفعولة ثانية. فإن قلت: السمع فعل لا يتعلق إلا بالمسموع. فكيف جاز تعلقه ههنا بـ (زيد) ، وهو مما لا يسمع؟ قلت: إن السماع لما تعلق باللفظ المسموع المنسوب إلى زيد جاز تعلقه به، بهذا الاعتبار كما جاز تعلق أفعال القلوب بالمفعول الأول، بذلك الاعتبار. وقيل: إنه يتعدى إلى مفعول واحد. فالجملة حال أو بدل اشتمال. وهو الظاهر. وأما إذا تعلق بالمسموع ابتداء فهو يتعدى إلى مفعول واحد فقط اتفاقا نحو: سمعت صوتا. قال الله تعالى: {يوم يسمعون الصيحة} . نحو: ظننت زيدا يقرأ، وعلمت عمرا يسمع. فجملة (يقرأ) منصوبة المحل، على المفعولية. وذهب الجمهور إلى أن أفعال القلوب من الدواخل على المبتدأ والخبر وأنها من نواسخ الابتداء وذهب البعض إلى أنها ليست من الدواخل عليها وليست من نواسخه، استدلالا على ذلك بأن العرب تقول: ظننت زيدا عمرا. لكن الحق هو مذهب الجمهور وأما قوله: ظننت زيدا عمرا بعد التسليم فهو متأول بمعنى: ظننت الشخص المسمى بزيد مسمى بعمرو، كما أن قولك: (زيد حاتم) متأول بمعنى: زيد مثل حاتم، بشهادة المعنى. وثانية معطوف على (ثانية) أي الموضع الثالث تقع الجملة فيه مفعولة ثالثة - للمفعول الثاني، من أفعال القلوب الذي تتعدى إلى ثلاثة مفاعيل - فإن المفعول الثالث فيه بمنزلة المفعول الثاني - في باب (علم) . فجاز وقوعه جملة، كما جاز فيه نحو: أعلمت زيدا عمرا أبوه قائم، وأخبرت خالدا عمرا أخوه قاعد. فقوله: أبوه قائم منصوب المحل على أنه مفعول ثالث، كما أنه مفعول ثان في قولنا: علمت عمرا أبوه قائم. وألحق الحريري (علم) بتشديد اللام بـ (أعلم) . فيكون حكمه كحكمه. وظاهر مذهب سيبويه أن النقل بسبب التضعيف سماع في الفعل المتعدي، وفي الفعل اللازم جميعا، وأن النقل بالهمزة قياسي في الفعل اللازم، سماع في الفعل المتعدي. ولا يخفى عليك أن الكل واقع غالبا في مصنفات العلماء على طريق القياس. ومعلقا عنها العامل أي: الموضع الرابع من تلك المواضع الأربعة الذي تقع الجملة فيه معلقا عن تلك الجملة عاملها. فضمير (عنها) راجع إلى الجملة. والعامل مرفوع بـ (معلقا) على أنه فاعله. فإن قلت: اسم المفعول لا يعمل، على المذهب المنصور، إلا إذا اعتمد على أحد الأشياء. فكيف يعمل ههنا بدون الاعتماد؟ قلت: اعتمد على مقدر كما أشرنا إليه. فأما التعليق: إبطال عمل