الصفحة 20 من 127

نحو (يبكون) ، في قوله تعالى: {وجاؤوا أباهم عشاء يبكون} . فالمعنى: أتى أولاد يعقوب -عليه السلام - أباهم في آخر النهار -وقيل: فيما بين المغرب والعشاء - حال كونهم باكين أي: متباكين. قال الجوهري (العشي: من صلاة المغرب إلى العتمة، والعشاء بالمد والكسر مثل العشي. وأما العشا مقصورًا فهو مصدر الأعشى. وهو الذي لا يبصر بالليل ويبصر بالنهار) . وقرئ (عشيا) وهو تصغير عشي. وقرئ (عشى) بالضم والقصر. وهو جمع أعشى. أي: جاءوا أباهم عشوا، من البكاء فجاء: فعل، فاعله الواو، ومفعوله (أباهم) ، وعشاء: مفعول فيه، العامل فيه (جاءوا يبكون) : منصوب المحل، على أنه حال من فاعل جاء. قال صاحب (الكشاف) في تفسير قوله تعالى: {فقد جاؤوا ظلما وزورا} : إن (جاء) يستعمل في معنى: فعل فيعدى تعديته. فيكون معنى الكلام على معنى: وردوا ظلما، كما تقول: جئت المكان. ويجوز أن يحذف الجار ويوصل الفعل. ومن الجملة الحالية قوله، عليه أفضل [الصلاة و] السلام: (( أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد ) ).

ثم لما عرض على الجملة الواقعة مفعولا اعتبارات مختلفة بحسب اختلاف اعتبارات المقامات وإن كان الكل واحدًا باعتبار المفعولية، قال: والجملة المفعولية -وقع بدله في بعض النسخ: (المفعولية) أي: المنسوبة إلى المفعول. فكلاهما جائز. لكن المناسب لقوله (فالحالية) هو الثاني -تقع في أربع مواضع، بحكم الاستقراء. اختلف النسخ ههنا، فوقع في بعضها (في ثلاثة مواضع) ، ووقع في بعضها: (في أربعة مواضع) . لكن هذا الاختلاف مبني على إثبات باب (أعلمت) وعدم إثباته في الكتاب. لكن إثباته أولى، لحصول تغاير المعنى في الجملة الواقعة ثانية للمفعول الأول في باب (ظن) ، وثانية للمفعول الثاني في باب (أعلمت) . فأحد الموضع الأربعة الذي تكون الجملة فيه محكية بالقول. الحكاية: إيراد اللفظ على استيفاء صورته الأولى. مثال تلك الجملة نحو (إني عبد الله) ، في قوله تعالى: (قال) أي عيسى ابن مريم: {إني عبد الله} . فجملة {إني عبد الله} منصوبة المحل على المفعولية، محكية بالقول. وهو قول الله -تعالى -حكاية عن عيسى عليه السلام. فتكون الباء في قوله: (محكية بالقول) للاستعانة. ثم إنهم اختلفوا في مقول القول: هل هو مفعول به أو مفعول مطلق نوعي؟ فاختار ابن الحاجب أنه مفعول مطلق نوعي، كرجع القهقرى فقال: (الذي غر الأكثرين أنهم ظنوا أن تعلق الجملة بالقول كتعلقها بـ(علم) في: علمت لزيد منطلق. لكنه ليس كذلك، لأن الجملة هي نفس القول والعلم غير المعلوم. فافترقا، فلا يجري القياس بينهما فلا يكون مفعولا به واختار الجمهور على أنه مفعول به، تمسكا بهذا الدليل. ويمكن أن يقال: إن الشيخ ابن الحاجب جعل (قال) مثلا مشتقا من القول بمعنى المقول، لا بمعنى إتيان المقول، كما جعلوا (استنوق) مشتقا من الناقة، على طريق النسبة. فهذا جائز واقع، وإن لم يكن كثيرا. يدل على ذلك قوله: (أن الجملة هي نفس القول) . وإلا فلا ينبغي أن يخفى على مثله أن إتيان القول غير المقول. وأما الجمهور حملوا القول على المعنى المصدري. وإلا فلا مجال لإنكار أن القول بمعنى المقول عين الجملة المحكية بالقول. فيكون النزاع بينهما لفظيا. هذا فالأولى ههنا هو التفصيل بأن يقال: قد يكون مقول القول مفعولا مطلقا تارة، كما إذا قلت: زيد قائم، وأخرى يكون مفعولا به، كما إذا حكيت قول الغير المذكور في الكتاب من قبيل الثاني. اعلم أن الحكاية قد تقع بما هو في معنى القول، كما تقع بالقول. وهو نوعان:

الأول: هو الذي معه حرف التفسير، كقولك: كتبت إليك أن افعل. فالجملة في هذا النوع مفسرة للفعل، لا موضع لها من الإعراب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت