الصفحة 18 من 127

اعتبر مطلق الارتباط بينهما بحيث يصح السكوت عليه فلا شك أنه يقع خبرا له، بدون التقدير. لكن الحق هو الثاني؛ لأن الخبر هو المسند إلى المبتدأ، والمعتبر بينهما هو التعلق المفيد، على أي وجه كان.

ألا ترى أن الفعل في قولك: اضرب زيدا. هو المسند إلى الفاعل، مع أنه لا يتصور بينهما إلا الارتباط بحيث يصح السكوت عليه، لا التعلق الوقوعي؟

ونصب: عطف مع ما بعده على قوله: رفع. مع ما بعده، على طريق عطف معمولي عاملين مختلفين على مذهب الفراء، وأما عند سيبويه فمثل هذا العطف لا يجوز أصلا؛ لأن حرف العطف ضعيف، فلا يقوم مقام عاملين.

نعم يجوز مثل هذا العطف عند صاحب الكشاف وابن الحاجب، إذا كان المجرور مقدما على المرفوع أو على المنصوب المعطوف في والمعطوف عليه، نحو: في الدار زيد، والحجرة عمرو. ونحو قول الشاعر:

أكل امرئ تحسبين امرأ ونار، توقد بالليل، نارا

وأما فيما عداه فغير جائز. [فالحق هو مذهب الفراء، لأن جزئيات الكلام إذا أفادت المعنى المقصود منها، على وجه الاستقامة، لا تحتاج إلى النقل والسماع. وإلا لزم توقف تراكيب العلماء في تصانيفهم عليه. وهو غير جائز] . فإن قلت: المراد منه نفي الجواز من حيث النظر إلى تحقق استعمال اللغة الفصيحة. قلت: سلمناه، لكن لا يلزم منه التقريب. فإن الخاص لا يستلزم سلب العام. فإن قلت: المدعي خاص أيضا. فيم يتم التقريب حينئذ. قلت: لا يجوز اعتبار الخصوص في الدعوى ههنا. وإلا يلزم المصادرة. فتأمل هذا. فتقول: إعراب موضع الجملة الواقعة خبر نصب محلا، إذا وقعت في موضع خبر بابي (كان وكاد) . إنما جمع البابين ههنا أيضا، للاشتراك في النصب. وإنما جعل الجملة الواقعة خبرا في مواضع أخبار الأبواب الأربعة واحدة، لاعتبار تحقق معنى الخبرية في كل منهما. والمراد من باب (كان) : كان وصار وأصبح وأمسى وأضحى وظل وبات، وآض وعاد وغدا وراح، وما زال وما برح وما فتئ وما انفك وما دام، وليس. وأما المراد من باب (كاد) كاد وكرب، وطفق وجعل وعسى وأوشك. فمثال الجملة الواقعة خبرا نحو (يظلمون) في: (كانوا يظلمون) . هذا على مذهب البصريين. وأما عند الكوفيين فمنصوب (كان) ملحق بالحال. فكان: فعل من الأفعال الناقصة، ترفع الاسم لفظا أو تقديرا أو محلا، وتنصب الخبر كذلك. فاسمها الضمير المرفوع المتصل وهو الواو، وخبره (يظلمون) . فيظلم: فعل، فاعله الواو والنون: علامة الرفع. فالجملة في محل نصب، على أنها خبر (كان) . وتجيء (كان) تامة بمعنى: وجد وحدث، كقوله تعالى: {وإن كان ذو عسرة} أي: إن وجد ذو عسرة، وقوله تعالى {كن فيكون} أي: احدث فيحدث. فإن قلت: (كان) مشتق من الكون، وهو بمعنى الوجود، ومعناهما واحد. فما السر في تسمية أحدهما ناقصا، والآخر تاما؟ قلت: إذا استعمل لتقرير ثبوت الوصف لأمر، اقتضى بالضرورة الشيئين المشيئين غيره، فلا يتم تعقل معناه بأحدهما، فسمى ناقصا. وأما إذا استعمل لإفادة معنى الوجود، المنسوب إلى شيء ما من غير اعتبار التقرير، يتم تعقله بتعقل المسند إليه، فسمى تاما. فإن قلت: وجود كل شيء عينه. فلا يصح نسبة الوجود إلى شيء ما لاقتضائها التغاير قلت: سلمناه لكم العينية في الخارج لا ينفي التغاير في الفهم والذهن. وهو حاصل ههنا، بلا شبهة، فيكفي في الإسناد. على أن الكون ههنا هو الكون الاعتباري في التحقيق لا العيني. فإن قلت: زيد موصوف بالكون والوجود، في قولك (كان زيد) ، كما أنه موصوف بالقيام، في قولك: كان زيد قائما. فاتحدا فانتفى الفرق. قلت إن (كان) ، إذا كان لتقرير ثبوت الخبر للاسم، يقتضي أن المسند هو الخبر والمسند إليه هو الاسم، فيكون خارجا عنها غير مقصود بالنظر، فلا يتم

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت