(عبد الله) علما فالقياس أن يكون الإعراب في الآخر لكنه أجرى في العبد إبقاء على ما كان. فالجملة مرفوعة المحل، على أنها معطوفة على قوله: ضربت زيدا ضربته. فإن قلت: (يا عبد الله) إنشاء لا يحتمل الصدق والكذب، و (أدعو عبد الله) يحتملها. فكيف يكون التقدير: أدعو عبد الله؟ قلت: (يا) نائب مناب (أدعو) إذا كان مستعملا في معنى الإنشاء مجازا، وإن كان خبرا بحسب لفظة. فإن قلت: ههنا جملتان أخريان غير ما ذكره المصنف: إحداهما شرطية، نحو: إن تكرمني أكرمك، والأخرى ظرفية، نحو: زيد في الدار. قلت أما الشرطية فإنها جملة فعلية في الحقيقة، وأما الظرف فإن قدر عامله فعلا فالظرفية تكون فعلية. وأما إذا قدر عامله غير الفعل فلا يتصور هناك جملة، فضلا عن أن تكون ظرفًا. ثم بعد هذا التقسيم أراد تقسيم الجملة إلى الكبرى والصغرى وبيان أنواع الاعتبارات فيها، إرشادًا للطالبين المتعلمين إلى أنوع التصرفات فيها، وقال:
إذا قيل زيد أبوه غلامه منطلق - اعلم أن هذا القول يتضمن اعتبار ثلاثة تعدادات: الأول [في حق المبتدأ] ، والثاني في حق الخبر، والثالث في حق الجملة وهو المقصود الأصلي. فإن الباب الأول معقود لشرح الجملة. فيكون تعداد المبتدأ والخبر تمهيدا لتعداد الجمل -، فتقول: (زيد) في: زيد أبوه غلامه منطلق - فتقييد (زيد) بهذا أولى من تقييده بالمثال المذكور إذ لا معنى لاعتبار المثال ههنا في الظاهر - مبتدأ أول. وأبوه: مرفوع لفظا، وعلامة الرفع الواو، مبتدأ ثان. إعرابه تقديري كقاض: فهذه الجملة معطوفة على قوله: فزيد مبتدأ أول. فإن الواو فيها للعطف. وكذا الحال فيما بعدها.
وغلامه أي: غلام أبيه - فالضمير المجرور بالمضاف إليه المبتدأ عائد إلى المبتدأ. فتلاحظ الروابط في المبتدأ. ولو قيل: (زيد عمرو بكر قائم عنده، في بيته) تلاحظ الروابط كلها في الأخبار - مبتدأ ثالث.
فشرع بعد هذا في تعداد الخبر، فقال: ومنطلق خبر المبتدأ الثالث. وهو غلامه. والمبتدأ الثالث وخبره - وهو منطلق. ووقع في بعض النسخ: (مع خبره) بدله. أي: غلامه منطلق مع النسبة بينهما - خبر المبتدأ الثاني. وهو أبوه. والمبتدأ الثاني وخبره، على قياس ما عرفت، خبر المبتدأ الأول.
ثم شرع، بعد هذا، في التعداد الثالث فقال: ويسمى - الواو هنا للعطف على جواب (إذا) الشرطية، على طريقة قولنا: إذا رجع الأمير استأذنت وخرجت أي: إذا رجع استأذنت، وإذا استأذنت خرجت، لا على طريقة قولنا: إذا جئتني أعطيك وأكسوك - المجموع أي: قوله: زيد أبوه غلامه منطلق، جملة لكونه مركبا كبرى لكونه أزيد جزء من قوله أبو غلامه منطلق من قوله: غلامه منطلق. وهي تأنيث الأكبر، كفضلى تأنيث الأفضل، غير منصرفة للتأنيث ولزومه، ومنصوبة تقديرا صفة (جملة) . وأنت خبير بأن تخلل الجملة ههنا لمجرد الموصوفية. فإن المقصود الأصلي بيان انقسام الجملة إلى الكبرى والصغرى. فإن قلت: لا شك أن اعتبار الكل بعد اعتبار الجزء طبعا، فيوضع الجزء ثم الكل ليوافق الوضع الطبع. فالشيخ لأي شيء قدم ذكر الكبرى على ذكر الصغرى في التسمية حينئذ؟ قلت: لرعاية ما سبق. فإنه لما قال: (والثاني وخبره خبر الأول) اقتضى ذلك اقتضاء الملزوم للازم. فإن قلت: فلأي شيء قدم اعتبار الصغروية على اعتبار الكبروية والصغروية معا في التسمية؟ قلت: قد تقرر في المعلوم والمعقول أن طلب الفائدة في المزال، لا في القار. على أنه لا يخلو عن اعتبار النظم الطبيعي، وعن اعتبار تقدم البسيط على المركب. ويسمى (غلامه منطلق) جملة صغرى، لكونه أقل جزءا من قوله: زيد أبوه غلامه منطلق ومن قوله: أبوه غلامه منطلق. ويسمى قوله: (أبوه غلامه منطلق) جملة كبرى، بالنسبة إلى جملة، هي جملة: غلامه منطلق. فإن قلت: ما معنى تقييد الكبروية بالنسبة ههنا، وهي نسبية دائما؟ قلت: