والثاني: التحقيقُ، وأنها مِن إِبِلٍ كِرامٍ، فبعضُها يُحْمَلُ على بعضٍ؛ حِفْظًا للنوعِ، ولهذا النسَبِ صُوَرٌ:
منها: أنَّ فَحْلًا ضَرَبِ بِنْتَهُ، فأَتَتْ ببَعيرينِ، فضَرَبَها أحدُهما، فأَتَتْ بهذه الناقةِ.
وقالَ الفارسيُّ في"تَذْكِرَتِه": صورةُ قولِه: أخوها أبوها: أنَّ أمَّها أَتَتْ بفَحْلٍ فأُلْقِيَ عليها، فأَتَتْ بهذه الناقةِ , وأمَّا عمُّها خالُها: فيَتَّجِهُ على النِّكاحِ الشرعيِّ، تَزَوَّجَ أبو أبيكَ بأمِّ أمِّكَ، فوُلِدَ لهما غلامٌ، فهو عَمُّك وخالُك، إلا أنه عمٌّ لأبٍ، وخالٌ لأمٍّ. صورةٌ أخرى: تَزَوَّجَتْ أُختُك مِن أمِّكَ أَخاكَ مِن أبيكَ، فوُلِدَ لهما، فأَنْتَ عمُّ هذا الولدِ أخو أبيه، وخالُه؛ لأنك أخو أمِّه من أمِّها. انتهَى.
ولا يَنطبِقُ تفسيرُ أبي عليٍّ رَحِمَهُ اللهُ على ما ذُكِرَ في البيتِ؛ لأنَّ الشاعرَ لم يَصِف الناقةَ بأحدِ النَّسَبَيْنِ، بل بهما معًا.
وقولُه:"مِن مُهَجَّنَةٍ"الْمُهَجَّنَةُ: الكريمةُ، أي: مِن ناقةٍ مُهَجَّنَةٍ، أو مِن نِياقٍ مُهَجَّنَةٍ، والْهَجائنُ: كِرامُ الإِبِلِ، وأَصْلُ الْمُهَجَّنَةِ غِلَظُ الْخَلْقِ، كغِلَظِ الْبَرَاذِينِ.
وهنا تَنبيهٌ على أَمرينِ:
أحدُهما: أنَّ التهجينَ مَدْحٌ في الإِبِلِ، وذَمٌّ في الآدَمِيِّينَ؛ لأنَّ معناه في الإبِلِ: كِرامُ الأبوينِ، وفي الآدَمِيِّينَ: أن يكونَ الأبُ عَرَبِيًّا والأمُّ أَمَةً. يُقالُ منه: رَجلٌ هَجينٌ , وإن كان الأمْرُ بالعَكْسِ، قيلَ: رَجلٌ مُقْرِفٌ، وفَلَنْقَسٌ بوزْنِ سَفَرْجَلٍ، أوَّلُه فاءٌ ورابعُه قافٌ، قالَ: (بحر الرجَز) .
العبدُ والْهَجينُ والفَلَنْقَسُ ... ثلاثةٌ فأيَّهُمُ تَلَمَّسُ
وقالَ: (البحر الرَّمَل)
كَمْ بِجُودٍ مُقْرِفٍ نالَ العُلَى ... وكريمٍ بُخْلُه قد وَضَعَهُ
يَجوزُ في"مُقْرِفٍ"الْجَرُّ بإضافةِ كَمْ، والنصْبُ على التمييزِ حَمْلًا للخَبَرِيَّةِ على الاستفهاميَّةِ؛ كَراهيةً للفَصْلِ بينَ الْمُتَضَايِفَيْنِ.
ومِن الْمُلَحِ: أنَّ أعرابيًّا جاءَ إلى ابنِ شُبْرُمَةَ القاضي، فقالَ: مسألةٌ. فقالَ: هاتِ. فقالَ: أبي ماتَ، وخَلَّفَنِي وشَقيقًا لي. وخَطَّ بأُصْبُعِهِ في الأرضِ خَطَّيْنِ مُتجاورَيْنِ، ثم قالَ: وخَلَّفَ هَجِينًا. وخطَّ خَطًّا آخَرَ بعيدًا، ثم قالَ: ولم يُخَلِّفْ غَيْرَنا. فاقْسِم المالَ بينَنا. قالَ: هو بينَكم أَثلاثًا. فقالَ: سُبحانَ اللهِ، كأنك لم تَفهَم المسألةَ. فقالَ: أَعِدْهَا. فأَجابَه كالأَوَّلِ. فقالَ: أَيَرِثُ الهجينُ كما أَرِثُ؟ قالَ: نعمْ. فقالَ: لقد عَلِمْتُ واللهِ أنَّ خالاتِك بالدَّهناءِ قَليلةٌ. فقالَ: لا يَضُرُّنِي ذلك عندَ اللهِ شيئًا.
الثاني: أنَّ تَقَارُبَ مَدْحٌ في الإِبِلِ؛ لأنَّه إنما يكونُ في الكَرائِمِ يُحْمَلُ بعضُها على بعضٍ؛ حِفْظًا لنوعِها، كما قَدَّمْنا، وهو ذَمٌّ في الناسِ.
لأنه فيهم سَببٌ للضَّعْفِ، وفي الحديثِ: (( اغْتَرِبُوا لَا تَضْوُوا ) )أي: أنَّ تَزَوُّجَ القرائبِ يُوقِعُ الضَّوَى في الوَلَدِ، والضَّوَى بالضادِ الْمُعْجَمَةِ بوَزْنِ الْهَوَى: مَصدرُ ضَوِيَ بالكسْرِ يَضْوَى بالفتْحِ، بمعنى الضَّعْفِ والْهُزالِ، ولذلك يَمدحونَ بضِدِّ ذلك كقولِ راجِزٍ:
إنَّ بِلالًا لم تَشِنْهُ أُمُّهُ ... لم يَتَنَاسَبْ خَالُه وعَمُّهُ