الصفحة 76 من 118

والثالثُ: الترصيعُ: وهو تَوَازُنُ كَلِمَاتِ السجْعِ، ومِن بَديعِ ما جَاءَ منه قولُ الحريريِّ، فهو يَطْبَعُ الأسجاعَ بجَواهِرِ لَفْظِه، ويَقْرَعُ الأسماعَ بزَواجِرِ وَعْظِه.

قولُه:"في خَلْقِها ... البيتَ: الْخَلْقُ: بمعنى الْخِلقَةِ،"وعن"بمعنى:"على"وهي مُتَعَلِّقَةٌ بـ"تفضيلُ"، وإن كان مَصْدَرًا؛ لأنَّه ليس مُنْحَلًّا لأنْ والفعلِ، ومَن ظَنَّ أنَّ الْمَصدَرَ لا يَتَقَدَّمُه مَعمولُه مُطْلَقًا فهو وَاهِمٌ، وعلى هذا فاللامُ مِن قولِ الحماسيِّ: (الرَّجَز) "

وبعضُ الْحِلْمِ عندَ الْجَهْـ ... ـلِ للذِّلَّةِ إِذعانُ

مُتَعَلِّقَةٌ بـ"إذعانُ"المذكورِ، لا بإذعانٍ آخَرَ مُقَدَّرٍ.

قالَ رَحِمَهُ اللهُ:

18 -غَلباءُ وَجناءُ عُلكومٌ مُذَكَّرَةٌ ... في دَفِّهَا سَعَةٌ قُدَّامُها مِيلُ

قولُه:"غَلباءُ"أي: غَليظةُ الرَّقَبَةِ، والمذَكَّرُ: أَغْلَبُ، وجَمْعُها: غُلُبٌ , ويكونُ في الآدَمِيِّ أيضًا، وقالَ أبو حاتمٍ: الغُلْبُ قِصَرُ العُنُقِ معَ غِلَظِه، وقيلَ: قِصَرٌ ومَيْلٌ، والذي يَظهَرُ لي أنه مُشترَكٌ بينَ الغليظِ والمائِلِ , فالأَوَّلُ كما في بيتِ كَعْبٍ، ولا يَجوزُ أن يُريدَ به القِصَرَ وَحْدَه، ولا معَ وَصْفٍ آخَرَ؛ لئلا يَتناقَضَ مع قولِه:"قُدَّامُها مِيلُ"؛ فإنه كِنايةٌ عن طُولِ عُنُقِها، كما سيأتي، والثاني كقولِه: (بحر الرجَز) :

ما زِلتُ يَومَ البَيْنِ أَلْوِي صَالِبِي ... والرأسَ حتى صِرْتُ مِثلَ الأَغْلَب

ولا مَدْخَلَ لمعنى الغِلَظِ هنا، وقد يُستعارُ الغُلْبُ لغِلَظِ غيرِ العُنُقِ , قالَ اللهُ تعالى: {وَحَدَائِقَ غُلْبًا} أي: أنها غُلْبُ الأشجارِ، وفِعْلُ الأَغْلَبِ: غَلِبَ بالكسْرِ، يَغْلَبُ بالفتْحِ غُلْبًا، وفِعْلُ الغالِبِ غَلَبَ بالفتْحِ، يَغْلِبُ بالكسْرِ غَلَبَةً وَغَلَبًا أيضًا، ومنه: {وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ} . وأَمَّا قولُ الفَرَّاءِ وابنِ مالِكٍ: إنَّ الأصلَ: غَلَبَتِهِمْ، ثم حُذِفَت التاءُ للإضافةِ كما في قولِه تعالى: {وَإِقَامِ الصَّلَاةِ} وقولِه: (البحر البسيط) .

إنَّ الْخَلِيطَ أَجَدُّوا الْبَيْنَ فانْجَرَدُوا ... وأَخْلَفُوك عِدَا الأمرِ الذي وَعَدُوا

فمُسْتَغْنًى عنه.

وقولُه:"وَجْنَاءُ": أي: عظيمةُ الوَجْنَتَيْنِ، أي: طَرَفَيِ الوَجْهِ، أو أنها صَلْبَةٌ مِن الوَجِينِ، وهو ما صَلُبَ مِن الأرضِ.

قولُه:"عُلْكُومٌ"أي: شديدةٌ، وتَخْتَصُّ بالإبِلِ، ويَستوِي فيه الذكَرُ والأُنْثَى، ومِثلُه العُلْجُومُ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت