الصفحة 75 من 118

"غيرُ"الأُولى مَرفوعةٌ على الفاعليَّةِ، والثانيةُ مَخفوضةٌ صِفةٌ لطَريدٍ، ورُوِيَ رَفْعُها بالحَمْلِ على معنى: إلا طَريدٌ، مُوثَقٍ: مَخفوضٌ عَطْفًا على"طَريدٍ"، ورُوِيَ رَفْعُه عَطْفًا على المعنى المذكورِ، لا عَطْفًا على غيرِ؛ لفَسادِ المعنى.

والثاني: ما وَرَدَ مِن قولِه: (البحر الطويل)

وما هاجَ هذا الشوْقَ إلا حَمامةٌ ... تَغَنَّتْ على خَضراءَ سُمْرٍ قُيُودُهَا

فيمَن خَفَضَ"سُمْرٌ"صِفةٌ لحمامةٍ، والمرادُ بقُيودِها رِجْلاها؛ لأنَّها مَوْضِعُ القُيودِ، ولهذا يَقولُ كَعْبٌ: فَعْمٌ مُقَيَّدُها. وأَجابَ الْمَانعونَ بأنه لا يَلْزَمُ مِن جَوازِ حَمْلِ غيرِ على"إلا"جوازُ العَكْسِ؛ لأنَّ"إلا"أصلٌ، وبأنَّ"سُمْرٍ"صِفةٌ لِخَضراءَ، على أنَّ المرادَ بقُيودِها عُروقُها النابتةُ في الأرضِ، أو صِفةٌ لِحَمامةٍ، ولكنه خُفِضَ لِمُجاوَرَةِ المخفوضِ، وهذا الوَجْهُ غَلَطٌ؛ لأنَّ الْمُرادَ بِخَفْضِ الجِوارِ التناسُبُ اللفظيُّ، ولا تَنَاسُبَ بينَ مَفتوحٍ ومكسورٍ، والوَجْهُ الأَوَّلُ بَعيدٌ؛ لأنَّ العُروقَ الْمَسْتُورَةَ بالأرضِ غيرُ مُشاهَدَةٍ، فلا يَحْصُلُ بها تَهييجٌ للْحُبِّ.

المسألةُ الثالثةُ أَدَبِيَّةٌ: وهي أنَّ الْمُقَلَّدَ مَوْضِعُ القِلادةِ مِن العُنُقِ، والمرادُ وَصفُ الناقةِ بغِلَظِ الرقبةِ، وقد عِيبَ ذلك، فقالَ الأصمعيُّ: هذا خَطأٌ في الوَصْفِ، وإنما خَيْرُ النجائبِ مَا يَدِقُّ مَذْبَحُهُ، وقالَ أبو هِلالٍ العسكريُّ في كِتابِ"الصِّناعتينِ": مِن خَطأِ الوَصْفِ قولُ كعبِ بنِ زُهيرٍ:"ضَخْمٌ مُقَلَّدُها"؛ لأن النجائِبَ تُوصَفُ بدِقَّةِ الْمَذْبَحِ. انتهى، وقد كَرَّرَ هذا الوَصْفَ؛ إذ قالَ في البيتِ بعدَه: غَلْبَاءُ. على ما سيأتي.

وقولُه:"عَبْلٌ مُقَيَّدُها"إعرابُه كإعرابِ ضَخْمٌ مُقَلَّدُها، والعَبْلُ: كالضخْمِ وَزْنًا ومَعْنًى، وفرَسٌ عَبْلُ الشِّوَى أي: غَليظُ القوائمِ، وقد عَبُلَ بالضمِّ عَبالةً، كضَخُمَ ضَخامَةً، والأنثى عَبْلَةٌ، وجَمْعُها عِبالٌ، وجَمْعُ العَبْلَةِ أيضًا عُبْلانُ بالإسكانِ، ويُرْوَى:"فَعْمٌ"وهو كالضَّخْمِ والعَبْلِ وَزنًا ومعنى وفِعْلُه بالضَّمِّ كفِعْلِهما، ومَصدَرُه الفَعامةُ والفُعومةُ، وأَفْعَمْتُه، مَلَأْتُه، وقالوا: سَيْلٌ مُفْعَمٌ بفَتْحِ العينِ على الْمَجازِ، وهو عكسُ عِيشةٍ رَاضيةٍ، وحقيقتُهما: سَيْلٌ مُفْعَمٌ بالكسْرِ؛ لأنه مالئٌ لا مَملوءٌ، وعِيشةٌ مَرْضِيَّةٌ.

وقولُه:"مُقَيَّدُهَا"أي: مَوْضِعُ القَيْدِ منها؛ وذلك أنها إذا كانتْ أَطْرَافُها غَليظةً، كان ذلك أَقْوَى لها على السَّيْرِ، وههنا مَسائلُ:

المسألةُ الأُولى: أنَّ صِيغةَ المفعولِ مِمَّا زادَ على الثلاثةِ يأتي مَصدرًا، نحوَ {مَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ} أي: كلَّ تَمزيقٍ، وزَمانًا كقولِه: (الْحَمْدُ لِلَّهِ مُمْسَانَا ومُصْبَحَنَا) أي: وقتَ إمسائِنا وإصباحِنا، ومَكانًا نحوَ: {رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ} ... الآيةَ. جاءَ في التفسيرِ: أنَّ مُدْخَلَ صِدْقٍ: المدينةُ، ومُخْرَجَ صِدقٍ: مَكَّةُ. والسلطانََ: النَّصيرُ، ومنه قولُ كعبٍ: مُقَلَّدُها، ومُقَيَّدُها. وزَعَمَ أبو الحسَنِ أنَّ اسمَ مفعولِ الثلاثيِّ يأتي أيضًا مَصدَرًا، ولكنه مَسموعٌ كقولِهم: ما لَه مَعقولٌ ولا مَجلودٌ، أي: عَقلٌ ولا جَلَدٌ.

المسألةُ الثانيةُ: اشْتَمَلَ هذا الشَّطْرُ على أنواعٍ مِن البَديعِ:

أحدُها: الْجِنَاسُ وذلك في مُقَلَّدِها ومُقَيَّدِها، وهو جِناسٌ غيرُ مُستَوْفًى؛ إذ تَخَالَفَت الكَلِمَتانِ في الياءِ واللامِ، ويُسَمَّى مِثلُ ذلك إذا تَقارَبَ الْحَرفانِ جِناسًا مُضارِعًا نحوَ: {وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ} . وفي الحديثِ: (( الْخَيْلُ مَعْقُودٌ بِنَوَاصِيهَا الْخَيْرُ ) ). وإِذا لَم يَتَقَارَبَا جِناسًا لَاحِقًا نحوَ: {وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ} ومِمَّا مَثَّلَ به صاحِبُ الإيضاحِ لذلك: {وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ} . وهو سهوٌ؛ إذ الراءُ والنونُ إمَا مِن مَخرَجٍ واحدٍ، أو مِن مَخرَجَينِ مُتقارِبَيْنِ.

النوعُ الثاني: التسجيعُ، وهو اتِّفاقُ القرينتينِ في الْحَرْفِ الخاتَمِ لها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت