إنه شاذٌّ، وكان قياسُه مَضِيفَةً، والْمَضوفةُ: الأمْرُ الذي يَشُقُّ، وأبو الحسَنِ يُخَالِفُه في ذلك، ويَقولُ: إذا بُنِي مِن العَيْشِ مَفْعُلَةٌ بالضَّمِّ قيلَ: مَعُوشَةٌ، ويَجْعَلُ الْمَضُوفَةَ قِياسًا، ويُوجِبُ في نحوِ: دِيكٍ وقِيلٍ ومَعِيشةٍ , أن يكونَ وَزْنُها على الظاهِرِ، ويَقولُ: إنما تُعَلُّ الضَّمَّةُ في هذا النحوِ في بابِ الجمْعِ كبِيضٍ وعِيسٍ، وفي الصفةِ التي على فُعْلَى بالضَّمِّ كمِشْيَةٍ حِيكَى، وقِسمةٍ ضِيزَي.
ومعنى البيتِ: أنَّ هذه الناقةَ تُشْبِهُ في وقتِ تَوَقُّدِ الأرضِ وسَدَلِ العيونِ الثورَ الوحشيَّ الفاقِدَ لابنِه في حِدَّةِ النَّظَرِ، وخِفَّةِ الْجِسْمِ والنشاطِ، فما ظَنُّكَ بها في غيرِ هذا الوقتِ.
قالَ رَحِمَه اللهُ تعالى وعَفَا عنه , آمينَ:
17 -ضَخْمٌ مُقَلَّدُها عَبْلٌ مُقَيَّدُها ... في خَلْقِها عن بناتِ الفَحْلِ تَفضيلُ
قولُه:"ضَخْمٌ"فيه ثلاثُ مَسائلَ:
الأُولَى: لُغَوِيَّةٌ، وهي أنَّ ضَخُمٌ بضَمِّ الخاءِ الْمُعْجَمَةِ , ضِخَمًا بفَتْحِها وكَسْرِ الضادِ، مِثلُ غَلِظَ وَزْنًا ومَعْنًى، ويُقالُ أيضًا: ضَخامةٌ كشَهامةٍ، والوَصْفُ منه ضَخْمٌ، كشَهْمٍ، وضِخَمٌّ بكسْرٍ ففَتْحٍ فتشديدٍ على وَزْنِ مُرادِفِه، وهو خِدَبٌّ، وأَضْخَمُ بوَزْنِ أحمرَ وإِضْخَم بوَزْنِ إِرْزَب وهو القصيرُ , وضُخامٌ بوَزْنِ شُجاعٍ، وأَنْشَدَ سِيبويهِ لرُؤبةَ بنِ العَجَّاجِ:
ضَخْمٌ يُحِبُّ الْخَلْقَ الأَضْخَمَّا
بهمزةٍ مَفتوحةٍ معَ التشديدِ، وليس في الأَبْنِيَةِ أَفْعَلَّ ولكنه شُدِّدَ للوقْفِ، ثم أُلْحِقَ أَلِفَ الإطلاقِ، ووُصِلَ بنِيَّةِ الوَقْفِ، ويُرْوَى الإضْخَمَّا بكسْرِ الهمزةِ والضَّخمَّا بلا همزةٍ، فلا ضَرورةَ، وجَمْعُ الضَّخْمِ والضَّخْمَةِ ضِخامٌ , وجَمْعُ الضَّخْمَةِ أيضًا ضَخْمَاتٌ بالإسكانِ؛ لأنَّه صِفةٌ , والضَّخامَةُ في بيتِ رُؤبةَ مَعنوِيَّةٌ، وهي عُلُوُّ الْهِمَّةِ، وفي بيتِ كعبٍ جِسميَّةٌ وهي غِلَظُ الرَّقَبَةِ.
المسألةُ الثانيةُ: إعرابيَّةٌ: يَجوزُ في"ضَخْمٌ"الرفْعُ والنصْبُ والْجَرُّ.
فأمَّا الرفْعُ فعلى أربعةِ أَوْجُهٍ: أن تكونَ خَبَرًا عَن"مُقَلَّدُها"، أو عن"هي"مُضْمَرَةً، أو صفةً لعُذَافِرَةٍ، وعليهما فإنها لم تُؤَنَّثْ لإسنادِه لِمُذَكَّرٍ وهو مُقَلَّدُها، نحوَ: {مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا} .
والرابعُ: أن تكونُ مُبتدأً وفاعلُه سادٌّ مَسَدَّ الخبَرِ، وذلك على رأيِ أبي الْحَسَنِ، والكُوفِيِّينَ في إجازةِ:"قائمٌ الزيدانِ"مِن غيرِ اعتمادٍ، وعلى غيرِ الوَجْهِ الثالثِ مِن هذه الأَوْجُهِ فقولُه:"ضَخْمٌ مُقَلَّدُهَا"جُملةٌ إِمَّا في مَوْضِعِ رَفْعِ صِفةٌ لعُذافِرَةٍ، أو نَصْبٍ على الحالِ، أو خَفْضِ صِفةٍ لنَضَّاخَةٍ، أو لا مَوْضِعَ لها على أنها مُستأنَفَةٌ، وأمَّا النصْبُ فإمَّا بإضمارِ أَمْدَحُ، أو على أنه حالٌ مِن عُذَافِرَةٍ.
وأمَّا الجَرُّ فإمَّا على أنه صِفةٌ لنَضَّاخَةٍ على لَفْظِها أو لعُذَافِرَةٍ، على معناها؛ إذ المعنى: ولن يُبَلَّغَها غيرُ عُذَافِرَةٍ، كما تقولُ: ما جاءني إلا زيدٌ وعمرٍو بخَفْضِ عمرٍو، أَجازَه ابنُ خَروفٍ وجماعةٌ؛ منهم ابنُ مالِكٍ تَمَسُّكًا بأمرينِ:
أحدُهما: القِياسُ على ما جاءَ في غيرِ زيدٍ وعمرٍو بالرَّفْعِ حَمْلًا لغيرِ على"إلا"، قالَ: (البحر البسيط) .
لم يَبْقَ غيرُ طَريدٍ غيرِ مُنْفَلِتٍ ... ومُوثَقٍ في حِبالِ القِدِّ مَجنوبُ