أي: بأَعْيُنٍ مِثلِ أَعْيُنِ ظِباءٍ وَجْرَةٍ بفَتْحِ الواوِ وإسكانِ الْجِيمِ، مَوْضِعٌ، وإنما شَبَّهَ عَيْنَيْهَا بعَيْنَيِ الثَّوْرِ الوَحْشِيِّ الذي أُفْرِدَ عن أُنثاهُ؛ لأنَّه حِينئذٍ يَكْثُرُ تَحديقُه، ويَقْوَى نَشاطُه وخِفَّتُه، وهذا تَشبيهٌ بَليغٌ لتَرْكِ أَداةِ التشبيهِ، وليس باستعارةٍ؛ لاشتمالِه على ذِكْرِ طَرَفَي التشبيهِ، ويُقالُ: ثَوْرٌ مُفْرِدٌ وفَرْدٌ بالإسكانِ، وفَرَدٌ بالفتْحِ وفَرِدٌ بالكَسْرِ، وفَارِدٌ وفَريدٌ، وفَردانِ.
وقولُه:"لَهِقٍ"بفَتْحِ الهاءِ وكَسْرِها، فإن فُتِحَت احْتَمَلَ وَجهينِ:
أحدُهما: أن يكونَ مَقصورًا مِن اللِّهاقِ وهو الثَّوْرُ الأبيضُ , قالَ:
لِهَاقٌ تَلَأْلُؤُهُ كالهلالِ.
وقالَ أسامةُ الْهُذَلِيُّ: (البحر المتقارِب)
وإلا النَّعَامَ وحَفَّانَةً ... وطَغْيًا مع اللَّهَقِ الناشط
الْحَفَّانِ بفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ: فَراخُ النَّعامِ، وَطَغْيًا: الصغيرُ مِن بقرِ الوَحْشِ مُعْجَمُ الغينِ، مُهْمَلُ الطاءِ، مَضمومُها عندَ الأَصْمَعِيِّ، مَفتوحُها عندَ ثَعْلَبٍ.
وعلى هذا فهو بَدَلٌ مِن قولِه:"مُفْرِدٍ"بَدَلَ كلٍّ مِن كلٍّ، بَدَلَ نَكِرَةٍ مِن نَكِرَةٍ.
والثاني: أن يكونَ صِفَةً مِن قولِهم: لَهِقٍ بالكَسْرِ لَهَقًا بالفَتْحِ، فهو لَهَقٌ ولَهِقٌ بالفتْحِ والكسْرِ، مثلُ: يَقَقٍ ويَقِقٍ، إذا كان شديدَ البَياضِ، وإن كَسَرْتَ كان وَصْفًا مِن"لَهِقٍ"بالكَسْرِ كما ذَكَرْنا , وعلى هذين الوَجهين فهو نَعْتٌ.
وأَجودُ الأَوْجُهِ الأَوَّلُ؛ لأنه لا مَدْخَلَ للَّوْنِ في تَشبيهِ الناقةِ بالثَّوْرِ الْمُفْرِدِ في حِدَّةِ النظَرِ، فإذا قُدِّرَ مَقصورًا مِن اللِّهاقِ كان اسْمًا، وكانت إفادتُه اللونَ ضِمْنًا، وإذا كان نَعْتًا كانتْ إفادتُه اللونَ قَصْدًا.
قولُه:"الْحَزَّازُ"بِحَاءٍ مُهْمَلَةٍ وزَايٍ مُعجَمَةٍ مَشدَّدَةٍ، وهو جَمْعُ"حَزيزٍ"بزَايَيْنِ: المكانُ الغليظُ الصَّلْبُ. كظِلْمَانَ في جَمْعِ ظَليمٍ، وهو ذَكَرُ النَّعامِ، ويُجْمَعُ في القِلَّةِ على"أَحِزَّةٍ"
والْمِيلُ جَمْعُ مَيلاءَ: وهي العُقدةُ الضَّخْمَةُ مِن الرَّمْلِ. وقيلَ: المرادُ الْمِيلُ الذي هو مَدُّ البَصَرِ. وليس بشيءٍ، وقالَ الخطيبُ التِّبريزيُّ وعبدُ اللطيفِ البَغداديُّ: والْمِيلُ جَمْعُ أَميلَ ومَيلاءَ. زادَ التِّبريزيُّ: والْمِيلُ مِن الأرضِ مَعروفٌ. وليس في كلامِهما ما يُبَيِّنُ الْمُرادَ، ولا ضَرورةَ لتَكَلُّفِهما جَعْلَه جَمْعًا للمُذَكَّرِ والْمُؤَنَّثِ معًا.
تَنبيهٌ: إذا قِيلَ بأنه جَمْعٌ فَوَزْنُه فُعُلٌ بالضمِّ، ولكن أُبْدِلَتْ ضَمَّتُه كَسرةً لتَسْلَمَ يَاؤُه مِن الانقلابِ واوًا، كما في بِيضٍ وعِيسٍ، وإذا قيلَ بِأنه مُفْرَدٌ احْتَمَلَ عندَ سِيبويهِ وَجهينِ:
أحدُهما: أن يكونَ كذلك.
والثاني: أن يكونَ فِعْلًا بالكَسْرِ على الظاهِرِ، كذلك تَجوزُ عندَه في نحوِ:"قِيلٍ"و"دِيكٍ"ونَظيرُه أن يكونَ فِعْلًا أو فُعْلًا، وفي"مَعيشةٍ"أن يكونَ مَفْعِلَةً أو مَفْعُلَةً؛ وذلك لأنه لا يُوجِبُ إعلالَ الضمَّةِ بِقَلْبِها كَسرةً حيثُ وَقَعَتْ قبلَ ياءٍ هي عينٌ؛ لئلا تَنْقَلِبَ تلك الياءُ أَلِفًا , ويَقولُ في قولِ الشاعرِ: (البحر الطويل)
وكنتُ إذا جَارِيَ دَعَا لِمَضُوفَةٍ ... أُشَمِّرُ حتى يُنْصِفَ الساقُ مِئْزَرِي