أحدُهما: أنَّ الصحيحَ أنَّ"فاعلًا"لا يأتي بمعنى"مَفعولٍ"، وأمَّا ما أَوْرَدْتُ فمُؤَوَّلٌ عندَ البَصرِيِّينَ والبَيَانِيِّينَ، أمَّا البَصريُّونَ فأَوَّلُوهُ على النِّسبةِ إلى الْمَصَادِرِ التي هي الدَّفْقُ، والكَتْمُ والرِّضَى، كما أنَّ اللابِنَ والتامِرَ والدارِعَ والنابِلَ نِسبةٌ إلى اللَّبَنِ والتمْرِ والدَّرْعِ والنَّبْلِ، وأمَّا البَيانِيُّونَ فتَأَوَّلُوه على الإسنادِ الْمَجازِيِّ، وحقيقتُه: دافِقٌ صاحبُه، وكاتِمٌ صاحبُه، وراضٍ صاحبُها.
والثاني: أنَّ ذلك لم تَدْعُ ضَرورةٌ إليه؛ فإنَّ"طَمَسَ"يَتَعَدَّى ولا يَتَعَدَّى، قالوا: طَمَسَ الطريقُ بالرَّفْعِ كما قَدَّمْنَا، وطَمَسَت الريحُ الطريقَ.
قولُه:"الأعلامُ"جَمْعُ عَلَمٍ وهو العَلَامَةُ، وقُرِئَ: (وَإِنَّهُ لَعَلَمٌ لِلسَّاعَةِ) أي: وإنَّ عِيسَى عليه السلامُ لعَلامَةٌ على الساعةِ، وأمَّا قِراءةُ الجماعةِ فوَجْهُهَا تَسميةُ ما يُعْلَمُ به الشيءُ عِلْمًا، والكلامُ في إضافةِ"طَامِس"إلى الأعلامِ كالكلامِ في إضافةِ نَضَّاخَةٍ إلى الذِّفْرَى.
وقولُه:"مَجهولُ"صِفةٌ لطامِسٍ مُؤَكِّدَةٌ؛ لأنَّ كلَّ طامِسٍ مَجهولٌ، ولهذا لم أُقَدِّرْهُ خَبَرًا؛ لأنْ لا يكونَ مُؤَكِّدًا، ولهذا قيلَ في قولِه: (البحر الطويل)
إذا ما بَكَى مِن خَلْفِها انْحَرَفَتْ لَهُ ... بشِقٍّ وشِقٌّ عِندَنا لم يُحَوَّل
إنَّ الظرْفَ خَبَرٌ،"ولم يُحَوَّلِ"جُملةٌ حاليَّةٌ مَؤَكِّدَةٌ، وابْتُدِئَ بالنَّكِرَةِ لوُقوعِها تَفصيلًا، ومِثلُه: الناسُ رَجُلانِ؛ رَجُلٌ أَكْرَمْتُه، ورَجُلٌ أَهَنْتُه، ولا تكونُ عندَنا صفةٌ،"ولم يُحَوَّلِ"الخبَرُ؛ لأنَّ الشِّقَّ إذا كان عندَه كان غيرَ مُحَوَّلِ، والخبَرُ لا يكونُ مُؤَكِّدًا، بخِلافِ الحالِ.
قالَ:
16 -تَرْمِي الْغُيوبَ بعَيْنَيْ مُفْرِدٍ لَهِقِ ... إذا تَوَقَّدَت الْحَزَّازُ والْمِيلُ
قولُه:"الغُيوبَ"إمَّا جَمْعُ"غائِبٍ"كشاهِدٍ وشُهودٍ، أو"غَيْبٍ"، والأوَّلُ أَوْلَى، ولم أَرَهُم ذَكَرُوا إلا الثانيَ معَ أنه مَجازٌ؛ إذ الغَيْبُ في الأَصْلِ"غابَ"ثم أُطْلِقَ على الغائبِ إطلاقَ الغَوْرِ على الغَائِرِ في قولِه تعالى: {قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا} وفَعْلٌ يُجْمَعُ على فُعولٍ إن صَحَّتْ عَيْنُه، كفَلْسٍ وفَرْخٍ، أو اعْتَلَّتْ بالياءِ كَبَيْتٍ، وشَيْخٍ، وضَيْفٍ، وسَيْفٍ، فإن اعْتَلَّتْ بالواوِ فجَمْعُه عليه شَاذٌّ، كفَوْجٍ وقَوْسٍ؛ استثقالًا لضَمَّتَيْنِ في صَدْرِ جَمْعٍ وبعدَهما واوٌ، ويَجوزُ كَسْرُ أَوَّلِه؛ ليَخِفَّ ويَقْرُبَ مِن الياءِ، وقد قُرِئَ به في السَّبْعَةِ، في نحوِ بيتٍ وعُيونٍ وعُيوبٍ، وذَكَرَ الزَّجَّاجُ أنَّ أكثَرَ النَّحْوِيِّينَ لا يَعرفونَه، وأنه عندَ البَصْرِيِّينَ رَدِيءٌ جِدًّا؛ لأنَّه ليس في العَربيَّةِ فِعولٌ بالكَسْرِ، واسْتَدَلَّ الفارسيُّ على جَوازِه بأنه يَجوزُ في تَحقيرِ عَيْنٍ وبيتٍ ونحوِهما كَسْرُ الأَوَّلِ، ومِمَّنْ حَكَى ذلك سِيبويهِ مع أنه فَعيلًا بالكَسْرِ ليس مِن أَبْنِيَةِ التحقيرِ.
وقولُه:"بعَيْنَيْ مُفْرِدٍ"أي: بعَيْنَيْنِ، مِثلُ عَيْنَيْ ثَوْرٍ مُفْرِدٍ، فحَذَفَ الصفةَ والْمُتَضَايِفَيْنِ بعدَها، وأضافَ الموصوفَ إلى صِفةِ الْمُضافِ إليه الثاني المحذوفِ , ونَظيرُه قولُ الآخَرِ: (البحر المتقارِب) .
أَبَيْتُنَّ إلا اصطيادَ القُلوبِ ... بأَعْيُنِ وَجْرَةَ حِينًا فَحِينَا