الصفحة 71 من 118

وإضافةُ"نَضَّاخَةٍ"إلى"الذِّفْرَى"إضافةٌ لَفْظِيَّةٌ، ولولا ذلك لم يَجُزْ إضافةُ"كلٍّ"إليها؛ إذ لا تُضافُ"كلٌّ""وأيٌّ"واسمُ التفضيلِ إلى مُفرَدٍ مَعْرِفَةٍ، ونَظيرُ هذا البيتِ بيتُ الكِتابِ: (البحر الكامل)

سَلِّ الْهُمومَ بكلِّ مُعْطِي رَأْسِهُ ... ناجٍ مُخَالِطِ صَهْبَةٍ مُتَعَبَّسُ

فأضافَ"كلَّ"إلى"مُعْطِي رأسِه"لَمَّا كان نَكِرَةً؛ لأنَّه في نِيَّةِ التنوينِ والنصْبِ، ومعناه: سَلِّ هُمومَكَ بكُلِّ بَعيرٍ تَرْكَبُه ذَلولٍ مُنقادٍ سريعٍ يَضْرِبُ بَياضُه إلى الْحُمْرَةِ.

قولُه:"إذا"ظَرْفٌ لنَضَّاخَةٍ , وإن قُدِّرَ فيها معنى الشرْطِ فعامِلُها شَرْطُها، أو جوابٌ محذوفٌ، أي: إذا عَرِقَتْ نَضَخَتْ ذِفْرَيَاهَا، أو جَوابٌ مَذكورٌ، وهو الْجُملةُ الاسْمِيَّةُ بعدَها، على أنَّ الفاءَ حُذِفَتْ للضَّرورةِ كما في قولِه:

مَن يَفعلُ الْحَسناتِ اللهُ يَشكرُها ... والشرُّ بالشرِّ عندَ اللهِ مِثلان

وقد حَمَلَ عليه أبو الْحَسَنِ قولَه تعالى: {إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ} ، والمختارُ قولُ غيرِه: إنَّ الجوابَ محذوفٌ، أي: فلْيُوصِ، والدالُّ على ذلك الوَصِيَّةُ؛ إذ هي في نِيَّةِ التقديمِ؛ لأنَّها على هذا التقديرِ مَرفوعةٌ"بكُتِب"لا بالابتداءِ.

وإذا لم تُقَدَّر الجملةُ الاسمِيَّةُ في البيتِ جَوابًا. فهي صِفةٌ ثانيةٌ للناقةِ المحذوفةِ، أو مُستأنَفَةٌ.

قولُه:"عُرْضَتُها"أي: هِمَّتُها، ومنه قولُ حَسَّانَ رَضِيَ اللهُ عنه (البحر الوافر) :

وقالَ اللهُ قد أَعْدَدْتُ جُنْدًا ... همُ الأنصارُ عُرْضَتُها اللقاءُ

وذَكَرَ التِّبريزيُّ في تَفسيرِ عُرْضَتُها في البيتِ وَجهينِ:

أحدُهما: أنه مِن قولِهم: بَعيرٌ عُرْضَةٌ للسفَرِ أي: قَوِيَ عليه، وفُلانٌ عُرضَةٌ للشَّرِّ، أي: قَوِيَ عليه، وجَعلتُه عُرْضَةً لكذا، إذا نَصَبْتُه له.

والثاني: ما يَعْرِضُ ويَمْنَعُ، ومنه قولُه تعالى: {وَلَا تَجْعَلُوا اللهَ عُرْضَةً لَأَيْمَانِكُمْ} أي: لا تَجْعَلوا الْحَلِفَ باللهِ مُعْتَرِضًا مانعًا لكم أن تَبَرُّوا، ولا مَساغَ لواحدٍ مِن هذين الْمَعْنَيَيْنِ هنا، وإنما المعنى ما ذَكَرْتُ، ولا بُدَّ مِن تقديرِ مُضافٍ، أي: مَعقودٌ هِمَّتُها، أو ذو هِمَّتِها، ولولا هذا التقديرُ لم يَصِحَّ الإخبارُ؛ لأنَّ المبتدأَ على هذا التقديرِ غيرُ الْخَبَرِ، ونَظيرُه: {هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللهِ} أي: هم ذَوُو دَرجاتٍ.

وقولُه:"طامِسُ". اسمُ فاعلٍ، مِن طَمَسَ الطريقُ بفَتْحِ الميمِ، ورَفْعِ الطريقِ، يَطْمُسُ ويَطْمِسُ طَمْسًا وطُمُوسًا، إذا دَرَسَ وانْمَحَتْ أَعلامُه، وهو صِفةٌ لمحذوفٍ، أي: هِمَّتُها طريقٌ طامِسُ الأعلامِ.

فإن قلتَ: أَمَا يَجوزُ أن يكونَ"طامسُ"فاعلًا بمعنى مَفعولٍ، كما قِيلَ في مَاءٍ دَافِقٍ، وسِرٍّ كاتِمٍ، وعِيشةٍ راضيةٍ؟

قلتُ: لا؛ لوَجهينِ:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت