وتُؤَنِّثُها إذا خُفِضَتْ , فَدَلَّ على أنها حالةُ الخفْضِ مُتَحَمِّلَةٌ لضميرِ الموصوفِ، كما أنها كذلك إذا نَصَبْتَ فقُلتَ: حَسَنَةٌ وَجْهًا. وأَمَّا تأنيثُ الصفةِ هنا، فلا دليلَ فيه؛ لِجَوازِ أن يُقالَ: إنه لأَجْلِ تأنيثِ الذِّفْرَى، لا لتأنيثِ الموصولِ.
وقولُه:"الذِّفْرَى"مُفْرَدٌ قائمٌ مَقامَ التثنيةِ؛ إذ الناقةُ لها ذِفريانِ لا ذِفْرَى واحدةٌ، ونَظيرُه قولُه: (البحر الطويل) .
ألا إنَّ عَيْنًا لم تَجُدْ يومَ واسِطٍ ... عليك بِجَارِي دَمْعَها لَجَمُودُ
وقولُ الآخَرِ: (البحر الطويل) .
أظُنُّ انْهِمَالَ الدمعِ ليس بِمُنْتَهٍ ... عن العينِ حتى يَضْمَحِلَّ سَوادُها.
وفي كلامِهم عَكْسُ هذا، وهو إنابةُ الاثنينِ عن الواحدِ، كقولِ بِشْرٍ: (البحر المتقارِب) :
على كلِّ في مَيْعَةٍ سابِحٌ ... يُقَطَّعُ ذو أَبْهَرَيْهِ الْحِزَامَا
وإنما له أَبْهَرٌ واحٌد، وقولُه: (البحر الكامل)
فجَعَلْنَ مِدْفَعَ عاقَلينِ أَمامَنَا ... وجَعَلْنَ أَمْعَزَ رامَتَيْنَ شِمَالَا
أرادَ: عَاقَلًا، وهو جَبَلٌ، وأجازَ الْفَرَّاءُ أن يكونَ مِن هذا:
{وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ} وَأَمَّا قَولُه: (البحر الطويل)
إذا ما الغُلامُ الأَحْمَقُ الأمِّ سَافَنِي ... بأطرافِ أَنْفَيْهِ اسْتَمَرَّ فَأَسْرَعَا
فيَحْتَمِلُ أن يكونَ مِن ذلك، ويَحْتَمِلُ أنه سَمَّى الْمَنْخِرَيْنِ أَنفينِ تَسميةً للجُزءِ باسمِ الكلِّ، ويُقالُ: سُفْتُه أَسوفُه، إذا شَمَمْتَه، وفي"النهايةِ"لابنِ الْخَبَّازِ: أنهم قالوا: ماتَ حَتْفَ أَنْفَيْهِ، وأنَّ مِن ذلك قولَ الشاعِرِ
يا حَبَّذَا عَيْنَا سُلَيْمَى وَالْفَمَا
وإنَّ أَصْلَه: الْفَمَانِ، فأَسْقَطَ النونَ للضَّرورةِ. انتهى.
وكما اسْتَعْمَلُوا الفَرْدَ في مَوْضِعِ التثنيةِ، كذلك اسْتَعْمَلُوا الجمْعَ في مَوْضِعِها، فقالوا: رجُلٌ عظيمُ الْمَنَاكِبِ، وغليظُ الحواجِبِ، وقد اجْتَمَعَت إنابةُ الواحدِ والجَمْعِ عن الاثنينِ في قولِ الُهُذَلِيِّ: (البحر الكامل)
فالعينُ بعدَهم كأنَّ حِدَاقَها ... سُمِلَتْ بشَوْكٍ فَهِيَ عُورٌ تَدْمَعُ