وتَحْتَمِلُ"مِن"وَجهًا ثالثًا أَظْهَرَ مِمَّا ذُكِرَ، هو أن تكونَ لابتداءِ الغايةِ، أي: عُذافِرَةٌ ابتداءُ خَلْقِها وإيجادِها مِن كلِّ ناقةٍ نَضَّاخَةٍ، يَصِفُها بكَرَمِ الأصولِ، وابتداءُ الغايةِ هو المعنى الغالِبُ على"مِن"حتى زَعَمَ الْمُبَرَّدُ وابنُ السَّرَّاجِ والأخفَشُ الصغيرُ والسُّهَيْلِيُّ أن سائِرَ ما ذُكِرَ لها مِن الْمَعاني يَرْجِعُ إليه.
وعلى الأَوْجُهِ الثلاثةِ فيَحتَمِلُ الظرْفُ ثلاثةَ أَوْجُهٍ:
أَحَدُها: أن يكونَ رَفعًا بالتبَعِيَّةِ على أنها صِفةٌ لعُذافِرَةٍ.
والثاني: أن يكونَ رَفْعًا بِمُباشَرَةِ العاملِ على أنها خَبَرٌ لهي مَحذوفةٍ.
والثالثُ: أن يكونَ نَصْبًا على الحالِ مِن عُذَافِرَةٍ؛ لأنَّها قد اخْتُصَّتْ بالوَصْفِ. قولُه:"نَضَّاخَة"صِفةٌ لمحذوفٍ، أي: مِن كلِّ ناقةٍ نَضَّاخَةٍ، وفيه مُبالَغتانِ مِن جِهَتَي الزِّنَةِ والْمَادَّةِ؛ أَمَّا الزِّنَةُ: فلأنها مُحَوَّلَةٌ مِن"فاعلٍ"إلى"فَعَّالٍ"؛ للتكثيرِ والْمُبالَغَةِ، وأمَّا الْمَادَّةُ: فلأنَّ النَّضْخَ بالخاءِ الْمُعْجَمَةِ أَكثرُ مِن النَّضْخِ بالْمُهْمَلَةِ، ولهذا قالوا: النَّضْحُ بالْمُهمَلَةِ: الرَّشُّ. وقالوا في قولِه تعالى: {نَضَّاخَتَانِ} : معناه: فَوَّارَتانِ بالماءِ، هذا هو المعروفُ، وعليه قولُ حُذَّاقِ أهلِ الاشتقاقِ، وأنَّ الواضِعَ يَضَعُ الحرفَ القويَّ للمَعْنَى القويِّ والضعيفَ للضعيفِ، وذلك كوَضْعِه"القَصْمُ"بالقافِ الذي هو حَرْفٌ شديدٌ لكَسْرِ الشيءِ حتى يَبِينَ، والفَصْمُ بالفاءِ الذي هو حَرْفٌ رِخْوٌ لكَسْرِ الشيءِ مِن غيرِ أن يَبِينَ , وعلى هذا تأَوَّلَ الإمامُ أبو يعقوبَ السَّكَّاكيُّ قولَ عَبَّادِ بنِ سُليمانَ: إنَّ بينَ الحروفِ والمعاني تَنَاسُبًا طَبِيعِيًّا، لَمَّا رأى أنَّ حَمْلَه على ظَاهِرِه مُوقِعٌ في فَسادٍ ظاهِرٍ، وذلك بأَدِلَّةٍ منها: أنَّ اللفظَ يُوضَعُ للمُتَضَادَّيْنِ كالجَوْنِ للأبيضِ والأسودِ، ومِن الْمُحالِ مُناسَبَةُ شيءٍ بطَيبعتِه للشيءِ وضِدِّهِ.
وبَنَوْا مِن"النَّضْخِ"بالْمُعجَمَةِ فِعْلًا على فَعَلَ يَفْعَلُ كسَلَخَ يَسْلَخُ، وذلك لأَجْلِ حرفِ الْحَلْقِ، هذا هو المعروفُ، وهو قولُ أبي زيدٍ، وقالَ الأصمعيُّ: لم يُبْنَ مِن هذه الْمَادَّةِ فِعْلٌ.
وأمَّا النَّضْحُ بالْمُهْمَلَةِ، فخَلا خِلافَ في بِناءِ الفِعْلِ منه، وهو فَعَلَ بالفتْحِ يَفْعِلُ بالكسْرِ على القياسِ، وفي حديثِ الْمِقدادِ، (( تَوَضَّأْ وَانْضِحْ فَرْجَكَ ) )وهذا في الْحَلْقِيِّ نظيرُ: نَحَتَ يَنْحِتُ؛ لأنَّ حَرْفَ الْحَلْقِ يُبيحُ تَوَافُقَ الماضي والْمُضارِعِ في الفَتْحِ، ولا يُوجِبُه.
وقولُه:"الذِّفْرَى"بالذالِ الْمُعْجَمَةِ، وهي النُّقرَةُ التي خَلْفَ أُذُنِ الناقةِ والبعيرِ، وهو أَوَّلُ ما يَعْرَقُ منها، واشتقاقُها مِن"الذَّفَرِ"بفَتحتينِ، وهو الرائحةُ الظاهِرَةُ طَيَّبَةً كانتْ أو غيرَها، ومِن الأَوَّلِ قولُهم: مِسْكٌ أَذْفَرُ، ومِن الثاني: رَجُلٌ ذَفِرٌ، أي: له خَبَثُ الريحِ.
وأمَّا الدَّفْرُ بإهمالِ الدالِ وإسكانِ الفاءِ، فهو النَّتَنُ خاصَّةً، ومنه قولُهم: دَفْرًا له , أي: نَتَنًا، وللمرأةِ إذا سُبَّتْ به: يا دَفَارِ، وقولُ عمرَ: وَادَفْرَاهُ. وقولُهم في كُنْيَةِ الدنيا، وكُنيةِ الداهيةِ: أمُّ دَفْرٍ.
وأَكْثَرُ العربِ يُقَدِّرُ أَلِفَ"الذِّفْرَى"للتأنيثِ، كألِفِ الذِّكْرَى، فيقولُ: هذه ذِفْرَى أَسِيلَةٌ غيرُ مُنَوَّنَةٍ، وبعضُهم (يقدرا للإلحاقِ) [1] بدِرْهَمٍ، فيُنَوِّنُها إلا إنْ سُمِّيَ بها، ونَظيرُ الذِّفْرَى: الدِّفْلَى بدالٍ مُهمَلَةٍ اسمٌ لنَبْتٍ مُرٍّ يُنَوَّنُ ولا يُنَوَّنُ، وجَمْعُها: ذِفرِيَاتٌ كعِلْقَيَاتٍ، وذِفارٌ، كجِوارٍ وصَحارٍ، وذَفَارَى، كصَحَارَى، وعَذَارَى، وليستْ ألِفُ الجمْعِ بأَلِفِ الْمُفْرَدِ، تلك للتأنيثِ أو للإلحاقِ، وهذه مُنقلِبَةٌ عن ياءٍ.
ومَحَلُّ"الذِّفْرَى"في البيتِ نَصْبٌ على التشبيهِ بالمفعولِ به، وهذا النصْبُ ناشئٌ عن رَفْعٍ على الفاعليَّةِ، والأصلُ: نَضَّاخَةٌ ذِفْرَاهَا. ثم حُوِّلَ الإسنادُ عن"الذِّفْرَى"إلى ضميرِ الناقةِ، وانْتَصَبَت"الذِّفْرَى"على التشبيهِ بالمفعولِ به؛ لأنَّها سَببيَّةٌ للمَوصوفِ وأُنِيبَتْ"أل"عن الضميرِ، ولو كانت الإضافةُ عن رَفْعٍ كما زَعَمَ عبدُ اللطيفِ، لَزِمَ إضافةُ الشيءِ إلى نفسِه، وكذا البَحْثُ في نحوِ حَسَنُ الوَجْهِ ونَظائِرِه، ومما يَدُلُّكَ على ذلك قَطْعًا أنك تَقولُ: مَرَرْتُ بامرأةٍ حَسَنٌ وَجْهُها، وحَسَنَةُ الوَجْهِ. فتُذَكِّرُ الصفةَ إذا رُفِعَتْ،
(1) (لعلها: يقدر الإلحاق أو يقدرها للإلحاق