الصفحة 68 من 118

قلتُ: هي مَقالةٌ تَفَرَّدَ بها، وقد رُدَّتْ عليه بما ذَكَرْنَا.

فإن قلتَ: فَلِمَ ساغَ للجميعِ تقديرُ الجملتينِ كالجملةِ الواحدةِ معَ الفاءِ، حتى أَجازُوا: الذي يَطيرُ فيَغْضَبُ زيدٌ الذبابُ؟

قلتُ: لأنها للسبَبِيَّةِ، فما بعدَها وما قَبْلَها بِمَنْزِلَةِ جُمْلَتَي الشرْطِ والجزاءِ، وهما في حُكْمِ الجملةِ الواحدةِ، ألا تَرَى أنه يَجوزُ زيدٌ إن قامَ غَضِبَ عمرٌو، ونحوَ: زيدٌ إن سافَرَ عمرٌو أَقامَ.

وقولُه:"عُذَافِرَةٌ"مُهْمَلُ الأوَّلِ مَضمومُه، مُعْجَمُ الثاني، وهي: الناقةُ الصلبةُ العظيمةُ، ويُقالُ للجَمَلِ إذا كان كذلك: عُذَافِرُ، وجَمْعُها:"عَذَافِرُ"بفَتْحِ أَوَّلِه، وأَلِفُه كألِفِ"مَساجدَ"وليستْ هي التي كانتْ في الْمُفْرَدِ، بل تلك مَحذوفةٌ، وقد اجْتَمَعَ في هذا التكسيرِ ما افْتَرَقَ في نحوِ: كُتُبٍ وفُلْكٍ مِن التغييرينِ: اللفظيِّ، والتقديريِّ.

قولُه:"على": هي ومَجرورُها حالٌ، فتَتَعَلَّقُ بمحذوفٍ، وهي بمعنى"معَ"مثلَها في قولِه تعالى: {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ} , {وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ} .

قولُه:"الأينُ"هو الإعياءُ والتَّعَبُ، قال أبو زيدٍ: ولا يُبْنَى منه فِعْلٌ. وكذا قالَ ابنُ فارسٍ، وقد خُولِفَا.

قولُه:"إِرقالٌ"مُبتدأٌ، أو فاعلٌ بالظرْفِ؛ لأنَّه قد اعْتَمَدَ على مَوصوفٍ، وهو مَصدَرُ"أَرْقَلَ"البعيرُ، وأَرْقَلَت الناقةُ، والإرقالُ: نوعٌ مِن الْخَبَبِ، ويُقالُ: ناقةٌ مُرْقِلٌ بغيرِ تاءٍ فإذا كَثُرُوا، قالوا: مِرقالٌ، ومِفعالٌ مِن أَفْعَلَ قَليلٌ، مثلُ: مِعطاءٌ ومِهداءٌ.

قولُه:"وتَبغيلُ"هو مَشْيٌ فيه اختلافٌ بينَ العَنَقِ والْهَمْلَجَةِ، وكأنه مُشَبَّهٌ بسَيْرِ البِغالِ لشِدَّتِه.

وهذا البيتُ تأكيدٌ لِمَا قَبْلَه في إِفادةِ بُعْدِ الْمَسافةِ، ومَعناه: أنَّ هذه الأرضَ لا يُبَلِّغُها إلا ناقةٌ عَظيمةٌ صَلبةٌ، سريعةُ العَدْوِ، مِن صِفَتِها أنها إذا أَعْيَتْ وَكَلَّتْ مِن السيرِ سارتْ معَ ذلك التَّعَبِ هذينِ النوعينِ مِن السَّيْرِ، فما ظَنُّكَ بها إذا لم تَكِلَّ!.

قالَ رَحِمَه اللهُ تعالى:

15 -مِن كلِّ نَضَّاخَةِ الذَّفْرَى إذا عَرِقَتْ ... عُرْضَتُها طامِسُ الأعلامِ مَجهولُ

قولُه:"مِن كلِّ": قالَ عبدُ اللطيفِ بنُ يُوسُفَ:"مِن"تَبعيضيَّةٌ، أو مُبَيِّنَةٌ للجِنْسِ، أي: التي هي كلُّ ناقةٍ نَضَّاخَةٍ. انتهى. والأَوَّلُ وَاضحٌ، وأمَّا الثاني: فقد يَظْهَرُ أنه أَحْسَنُ؛ لأنه أَبْلَغُ؛ لأنَّه جَعَلَها جميعَ هذا الْجِنْسِ، كما قالوا: أَطْعَمْنا شاةً كلَّ شاةٍ، وقالَ: (البحر الطويل)

وإنَّ الذي حانَتْ بفَلْجٍ دِماؤُهمْ ... همُ القومُ كلُّ القومِ يا أمَّ خالد

ولكنَّ التحقيقَ أنه لا يَجوزُ؛ لأنَّه لا بُدَّ أن يَتَقَدَّمَ الْمُبَيِّنَةَ شيءٌ لا يُدْرَسُ جِنْسُه، فتكونَ مِن ومَجرورُها بَيانًا له كما في قولِه تعالى: {فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ} والذي تَقَدَّمَ هنا مَعلومُ الْجِنْسِ، وهو الناقةُ العُذَافِرَةُ، ثم قولُه في تفسيرِها، أي: التي هي كلُّ نَضَّاخَةٍ مُشْكِلٌ؛ لأنَّ الْمُفَسَّرَ عُذَافِرَةٌ، وهي نَكِرَةٌ، والنَّكِرَةُ لا تُفَسَّرُ بالْمَعْرِفَةِ، وإنما كان الصوابُ أن يُقالَ: هي نَضَّاخَةٌ؛ ليكونَ الْمُفَسِّرُ جُملةً، كما قالوا في {يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَيَلْبَسُونَ ثِيَابًا خُضْرًا مِنْ سُنْدُسٍ} : إنَّ المعنى"مِن أساورَ"هي ذَهَبٌ، وثيابًا خضرًا هي سُندسٌ، والذي غَرَّهُ أنهم يُمَثِّلونُ لِمِن الْجِنسيَّةِ غالبًا بقولِه: {فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ} ويقولون: التقديرُ: الذي هو الأوثانُ. وإنما قَدَّرُوه كذلك؛ لأنَّ الْمُفَسَّرَ مَعرِفَةٌ، فقَدَّرُوا تَفسيرَه مَعرِفَةً، لا أنَّ الْمُبَيِّنَةَ دائمًا تُقَدَّرُ كذلك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت