وقد زَعَمُوا أنَّ الْمُحِبَّ إذا دَنَا ... يَمَلُّ وأنَّ النأْيَ يَشْفِي مِن البُعْدِ
بكلٍّ تَدَاوَيْنَا فلم يُشْفَ ما بِنَا ... على أنَّ قُربَ الدارِ خيرٌ مِن الْبُعْدِ
على أنَّ قُرْبَ الدارِ ليس بنَافِعٍ ... إذا كان مَن تَهْوَاهُ ليس بِذِي وُدّ
فليس مِن ذلك خِلافًا لِمَنْ وَهِمَ، وإنما هو مِن بابِ التخصيصِ والتقييدِ، وذلك أنَّ صَدْرَ البيتِ الثاني لَمَّا اقْتَضَى أنه لا خَيرَ لِلْمُحِبِّ في قُرْبِ الدارِ، اسْتَدْرَكَهُ بما ذَكَرَ في عَجُزِهِ ولَمَّا اقْتَضَى هذا العَجُزُ أنَّ قُرْبَ الدارِ نافعٌ بكُلِّ حالٍ اسْتَدْرَكَهُ بما ذَكَرَ في البيتِ الثالثِ.
قالَ رَحِمَه اللهُ تعالى:
13 -أَمْسَتْ سُعادُ بأرْضٍ لا يُبَلِّغُهَا ... إلا العِتاقُ النَّجيباتُ الْمَرَاسِيلُ
قولُه:"أَمْسَتْ"يَحْتَمِلُ"أَمْسَى"وَجهينِ:
أحدُهما: أن يكونَ التقييدُ ثُبوتَ الخبرِ للاسمِ بزَمَنِ المساءِ، وذلك على تفسيرِ"غَداةَ الْبَيْنِ"بالغَدْوَةِ، والمعنى أنها ارْتَحَلَتْ غَدْوَةً وأَمْسَتْ بأَرْضٍ بَعيدةٍ.
الثاني: أن يكونَ بمعنى"صارتْ"كقولِه: (البحر البسيط) :
أَمْسَتْ خَلاءً وأَمْسَى أهلُها احْتَمَلُوا ... أَخَنَى عليها الذي أَخْنَى على لُبَد
ومعنى: أَخْنَى:"أَفْسَدَ"؛ لأنَّ الْخَنَا: الفسادُ والقُبحُ والنُّقصانُ، و"لُبَدِ": آخِرُ أَنْسُرِ لُقمانَ بنِ عادٍ؛ لأنَّه أُعْطِي عُمُرَ سَبعةِ أَنْسُرٍ؛ لأنَّ النَّسْرَ يُعَمِّرُ طَوِيلًا.
وقولُه:"سُعادُ"ظاهِرٌ أُقيمَ مُقامَ الْمُضْمَرِ، وذِكْرُه في هذا البيتِ بعدَ ذِكْرِ ضَميرِه في البيتِ قَبْلَه أَحْسَنُ منه في قولِه في أَوَّلِ القَصيدةِ:"مُتَيَّمٌ إِثْرَها"ثم قالَ: وما سعادُ؛ وذلك لأنه هنا قَصَدَ استئنافَ نوعٍ آخَرَ مِن الكلامِ، وهو وَصْفُ أرضِ سُعادَ بالْبُعْدِ، وذَكَرَ ما يَتَّصِلُ بذلك مِن وَصْفِ الناقةِ.
قولُه:"بأَرْضٍ"الباءُ ظَرْفِيَّةٌ، مِثْلُها في: {وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ} .
وقولُه:"يُبَلِّغُهَا", يَحْتَمِلُ وَجهينِ:
أحدُهما: أن يكونَ مَنقولًا بالتضعيفِ مِن"بَلَّغَ"فيَتَعَدَّى حينئذٍ إلى مَفعولينِ، كعَرَّفْتُه الْمَسألةَ، والأصلُ: ما يُبَلِّغُنِيهَا، ثم حُذِفَ المفعولُ الأَوَّلُ.
والوجهُ الثاني: أن يكونَ بمعنى"يَبْلُغُهَا"فيكونَ مُتَعَدِّيًا إلى واحدٍ، وقد جاءَ فَعَلَ وفَعَّلَ بمعنًى في القاصِرِ والْمُتَعَدِّي، فالأَوَّلُ: كمَشَى ومَشَّى قالَ: (البحر الطويل)
ودُويةٍ قَفْرٍ تُمَشِّي نَعَامَها ... كمَشْيِ النَّصَارَى في خِفافِ الْأَرَنْدَج