الصفحة 59 من 118

وكتَبَ الإمامُ أبو السَّعاداتِ ابنُ الشَّجَرِيِّ بالجوازِ أيضًا، وتَعَرَّضَ لأبي نِزارٍ، ونَسَبَه إلى الْجَهْلِ، ثم قالَ: وقولُه: إنه لا يُجيزُ"مأمولًا"إلا أن يَسْمَعَه الثقةُ"أَمَلَ"مَن لم يَعْلَمْ أنهم قالوا: فقيرٌ، مع أنهم لم يَقولوا"فَقُرَ"وإنما يقولون: افْتَقَرَ، افَتَرَاهُ يَمْنَعُ"فَقيرًا"لكونِ الثِّقَةِ لم يَسْمَعْه فَقُرَ، مع أنَّ القرآنَ قد وَرَدَ به في قولِه تعالى: {رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ} ولَيْتَ شِعْرِي ما الذي سَمِعَ هذا الرجُلُ مِن اللغةِ حتى أَنْكَرَ أن يَفوتَه هذا الْحَرْفُ، بل يَنبغِي له إذا أَمْعَنَ النَّظَرَ في كُتُبِ اللغةِ، فلم يَجِدْهُ، ثم سَمِعَ: والعفوُ عندَ رسولِ اللهِ مأمولُ أن يُسَلِّمَ لكَعبٍ، ويُذْعِنَ صاغرًا. انتهى مُلَخَّصًا.

ومِن الغريبِ أنَّ هذين الإمامينِ لم يَسْتَدِلَّا على مَجيءِ"أَمَلَ"بالبيتينِ المذكورينِ في هذه القَصيدةِ، بل تَكَلَّفَ ابنُ الجَواليقيِّ، وأَنْشَدَ قولَ شاعرٍ آخَرَ، وقولُ ابنِ الشَجَرِيِّ: إنه لم يَسْمَعْ فيه"فَقُرَ"اعْتَمَدَ فيه على كلامِ سِيبويهِ والأكثرينَ، وذكَرَ ابنُ مَالِكٍ أنَّ جَماعةً مِن أَئِمَّةِ اللغةِ نَقَلُوا مَجيءَ"فَقُرَ"بالضَّمِّ والكَسْرِ، وأنَّ قولَهم في التَّعَجُّبِ: ما أَفْقَرَه مَبْنِيٌّ على ذلك، وليس بشَاذٍّ، كما زَعَمُوا.

وفي قولِه: أَرْجُو وآمُلُ الْتِفَاتٌ عن الْخِطابِ في قولِه:"فلا يَغُرَّنَّكَ"إلى التَّكَلُّمِ الذي بَدَأَ به في قولِه: فقَلْبِي اليومَ مَتبولُ، وإن كان الْخِطابُ في قولِه:"فلا يَغُرَّنَّكَ"لغيرِه فلا الْتِفَاتَ في واحدٍ فيهما.

وقولُه:"أَنْ تَدْنُو"تَنَازَعَه الفِعلانِ، فأُعْمِلَ الثاني، وحُذِفَ مفعولُ الأَوَّلِ، ولا يَحْسُنُ أن يُقالَ: أُعْمِلَ الأوَّلُ، وحُذِفَ مفعولُ الثاني على حَدِّ قولِه: (البحر الكامل ـ مجزوء) :

بعُكَاظَ يُعْشِي الناظرينَ ... إذا هُمُ لَمَحُوا شُعاعَهْ

الأصلُ: لَمَحُوهُ؛ لأن ذلك ضَرورةٌ، فلا يُخْرَجُ عليه ما وُجِدَتْ عنه مَندوحةٌ.

وقولُه:"أن تَدْنُو"بالإسكانِ مُحْتَمِلٌ لوجهينِ:

أحدُهما: أن يكونَ أَهْمَلَ"أن"الْمَصْدَرِيَّةَ حَمْلًا على"ما"الْمَصدرِيَّةِ كما قالَ: (البحر الطويل) .

إذا كان أَمْرُ الناسِ عندَ عَجُوزِهِمْ ... فلا بُدَّ يَلْقَوْنَ كلَّ ثُبُور

وكَقراءَةِ مُجاهِدٍ: {لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمُّ الرَّضَاعَةَ} كذا قالوا ويُمْكِنُ يُخَرَّجُ على أنها عامِلَةٌ، وذلك بأن يكونَ الأَصْلُ: يُتِمُّونَ بواوِ الجماعةِ حَمْلًا على مَعْنَى"مَن"مِثلُ: {وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ} ثم حُذِفَت النونُ للناصِبِ، والواوُ للساكنينِ.

والوجهُ الثاني: أنه أَجْرَى الفتحةَ على الواوِ مُجْرَى الضمَّةِ للضرورةِ. قالَ الْمُبَرَّدُ: وهو مِن أَحْسَنِ الضَّروراتِ، وقد جاءَ ذلك في أَخَفَّ مِن الواوِ، وهي الياءُ كقولِ الأَعْشَى: (البحر الطويل) .

فآلَيْتُ لا أَرْثِي لها مِن كَلالةٍ ... ولا مِن جَفًا حتى تُلاقِي مُحَمَّدَا

صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ويَجوزُ أن يَكونَ أَصْلُه"تُلاقينَ"على أنه الْتَفَتَ مِن الغَيْبَةِ إلى الْخِطابِ، ويَشْهَدُ له أنه خاطَبَها في البيتِ بعدَه بقولِه:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت