إذا لسَعَتْهُ لم يَرْجُ لَسْعَهَا ... وحالَفها في بيتِ نُوبٍ عواسلُ
وحالَفها بالحاءِ الْمُهْمَلَةِ: أي: خالَطَها. والنُّوبُ: النحلُ، وهي جَمْعُ نايِبٍ، كَفَارَةٍ وفُرْةٍ، سُمِّيَتْ نُوبًا لسُودِها، ويُرْوَى: وخالَفَها بالْمُعْجَمَةِ.
وقيلَ: لا تَخْتَصُّ بالنفيِ بدليلِ {وَارْجُوا الْيَوْمَ الْآخِرَ} وجَوَّزَ ابنُ الْخَبَّازِ في قولِ ابنِ مُعْطِي: يقولُ راجي رَبِّه الغفورِ: كونُه بمعنى الآمُلِ، أو الخائفِ، والظاهِرُ الأوَّلُ لقَرينةِ ذِكْرِ الغَفورِ، وأمَّا الآيةُ فتَحتَمِلُ ثلاثةَ أَوْجُهٍ:
أحدُها: أن يُرادَ: افْعَلُوا ما تَرْجُونَ به حُسْنَ العَاقِبَةِ، فأُقِيمَ الْمُسَبَّبُ مَقامَ السَّبَبِ.
الثاني: أو يكونوا أُمِرُوا بالرجاءِ والْمُرادُ اشْتراطُ ما يُسَوِّغُه مِن الإيمانِ كما يُؤْمَرُ الكافرُ بالشرْعِيَّاتِ على إرادةِ هذا الشرْطِ.
الثالثُ: أن يكونَ الرجاءُ بمعنى الْخَوْفِ.
وقولُه:"وَآمُلُ": الأَمَلُ هو الرَّجَاءُ. قيلَ: وإنما عُطِفَ عليه؛ لأنه يكونُ في الْمُمْكِنِ، والمستحيلِ، والرجاءُ يَخُصُّ الْمُمْكِنَ قلتُ: وإنما هذا الفَرْقُ بينَ التَّمَنِّي والرجاءِ، وإنما الْمُصَحِّحُ للعَطْفِ اختلافُ اللفظِ نحوَ: {فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ وَمَا ضَعُفُوا} وقولِه:
أَقْوَى وأَقْفَرَ بعدَ أمِّ الْهَيْثَمِ
ومِثلُه في الأسماءِ: {إِنَّما أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللهِ} {أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ} {لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا} وقولُه:
وأَلْفَى قولَهَا كَذِبًا ومَيْنًا
ولا يُعْطَفُ هذا النوعُ إلا بالواوِ قالَ ابنُ مالِكٍ: وقد أُنِيبَتْ أو عنها في اللفظِ في قولِه تعالى: {وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا} وفيه نَظَرٌ، لإمكانِ أن يُرادَ بالْخَطيئةِ: ما وَقَعَ وبالإثْمِ: ما وَقَعَ عَمْدًا.
فإن قُلْتَ: هَلَّا قَدَّرْتَ الجملةَ حالًا مِن فاعلِ"أَرْجُو"لتَسْلَمَ مِن مُخالَفَةِ الأصْلِ في العَطْفِ؟
قلتُ: إن سَلِمْتَ مِن ذلك، وَقَعْتَ في مُخالَفَةِ أَصلينِ، إذ الأَصْلُ في الحالِ أن تكونَ مَبْنِيَّةً لا مُؤَكِّدَةً، والأصلُ في المضارِعِ الْمُثْبَتِ الخالي مِن قد إذا وَقَعَ حالًا أن لا يَقْتَرِنَ بالواوِ نحوَ: {وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرْ} ونحوَ: {وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ} .
وفي قولِه هنا:"وآمُلُ"، وقولِه فيما سَيأتِي: وقالَ كلُّ خليلٍ كُنْتُ آمُلُه، وقولِه: والعفوُ عندَ رسولِ اللهِ مأمولُ، دليلٌ على أنه كما يُقالُ أَمَّلْتُه بالتشديدِ فهو مُؤَمَّلٌ، كذلك يُقالُ: أَمَلْتُه بالتخفيفِ، فهو مَأْمُولٌ، وقد سُئِلَ في مدينةِ السلامِ عن مَسائلَ ومِن جُملتِها هذه، فكَتَبَ أبو نِزارٍ الْمُتَلَقَّبُ بِمَلِكِ النُّحاةِ أنه لا يُجيزُ أن يُقالَ: مَأمولُ، إِلَّا أن يَسْمَعَه الثِّقَةُ: أَمَلَ بالتخفيفِ. وكَتَبَ الإمامُ أبو مَنصورٍ الْجَواليقِيُّ أنه لا رَيبَ في جَوازِ ذلك، وأنَّ الأَئِمَّةَ رَوَوْهُ كالخليلِ وغيرِه، ثم أَنْشَدَ قولَ كَعْبٍ:
والعفوُ عندَ رسولِ اللهِ مأمولُ
وقولَ بعضِ الْمُعَمِّرِينَ (مجزوء ـ الكامل المرفل) :
المرءُ يَأْمُلُ أن يَعيشَ ... وطُولُ عَيْشٍ قد يَضُرُّهْ