الصفحة 56 من 118

فجَعَلَها نفسَ الإقبالِ والإدبارِ، لكَثْرَةِ وُقوعِهما منها، قالَ:

11 -كانت مَواعِيدُ عُرقُوبٍ لها مَثَلًا ... وما مَواعِيدُها إلا الأباطيلُ

لـ"كان"الناقِصَةِ مَعنيانِ:

أحدُهما: الدَّلالةُ على ثُبوتِ خَبَرِها لاسْمِها في الزَّمَنِ الماضي، نحوَ: كان زيدٌ فَقِيرًا.

والثاني: الدَّلالةُ على تَحَوُّلِ اسْمِها مِن وَصْفٍ إلى آخَرَ، نحوَ: {وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثًّا وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلَاثَةً} أي: فصارَتْ وصِرْتُمْ، ومنه كان في البيتِ، أي: صارَتْ مَواعيدُ عُرقوبٍ مَثَلًا لها بينَ الناسِ، لشُهرةِ اتِّصافِها بالإخلافِ.

ومَواعيدُ: جَمْعُ مِيعادٍ، كمَوازينَ جَمْعِ مِيزانٍ، لا جَمْعُ"مَوعودٍ"؛ لأن المعْنَى ليس عليه، ولأنَّ مَفعولًا صِفَةٌ، كمَضروبٍ ومَقتولٍ لا يُكَسَّرُ، وأمَّا نحوَ مَشَائِيمَ ومَلاعينَ فَشَاذٌّ. فإن قُلتَ: إنما يَجوزُ أن يكونَ جَمْعًا لِمَوعودٍ بمعنى الوَعْدِ؟ قلتُ: مَجيءُ الْمَصْدَرِ على"مَفعولٍ"إمَّا معدومٌ، وإمَّا نادرٌ وجَمْعُ الْمَصْدَرِ غيرُ قِياسٍ.

وعُرقُوبٍ: بضَمِّ أوَّلِه كعُصفورٍ، وليس في العربيَّةِ فَعلولٍ بالفتْحِ إلا صَعْفُوقٍ وخَرنوبٍ في لُغَيَّةٍ، وهو عَلَمٌ مَنقولٌ مِن عُرقوبِ الرجُلِ، وهو ما انْحَنَى فوقَ عَقِبِها، وعُرقوبُ الوَادِي، وهو مُنْعَطَفُه، وهو رَجُلٌ مِن العَمالِقَةِ، وهو عُرقوبُ بنُ مَعْبَدِ بنِ زُهَيْرٍ، أَحَدُ بني عبدِ شَمْسِ بنِ ثَعلبةَ، أو عُرقوبُ بنُ صَخْرٍ، على خِلافٍ في ذلك، وكان مِن خَبَرِه أنه وَعَدَ أَخًا له ثَمَرَةَ نَخْلِه، وقالَ: ائْتِنِي إذا طَلَعَ النخْلُ، فلَمَّا أَطْلَعَ قال: إذا أَبْلَحَ فلَمَّا أَبْلَحَ قالَ: إذا أَزْهَى، فلَمَّا أَزْهَى قالَ: إذا أَرْطَبَ، فلَمَّا أَرْطَبَ قالَ: إذا صارَ تَمْرًا، فلَمَّا صارَ تَمْرًا جَذَّه مِن الليلِ، ولم يُعْطِه شيئًا فضَرَبُوا به الْمَثَلَ مِن الإخلافِ، فقالوا: أَخْلَفُ مِن عُرقوبٍ، وقالَ عَلْقَمَةُ الأَشْجَعِيُّ: (البحر الطويل) .

وَعَدْتَ وكان الْخُلْفُ منك سَجِيَّةً ... مواعيدُ عُرقوبٍ أَخاهُ بيَثْرِب

قالَ التِّبريزيُّ: والناسُ يَرْوُونَ يَثْرِبَ في هذا البيتِ بالثاءِ الْمُثَلَّثَةِ والراءِ المكسورةِ، وإنما هو بالْمُثَنَّاةِ، وبالراءِ المهمَلَةِ المفتوحةِ، مَوْضِعٌ بقُرْبِ مَدينةِ الرسولِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. قالَه ابنُ الكلبيِّ، قُلْتُ، وقالَه أيضًا أبو عُبيدةَ، وقد خُولِفَا في ذلك. قالَ ابنُ دُرَيْدٍ: اخْتَلَفُوا في عُرقوبٍ، فقيلَ: هو مِن الأَوْسِ، فيُصْبِحُ على هذا أن يكونَ بالْمُثَلَّثَةِ وبالمكسورةِ، وقيلَ: مِن العماليقِ، فيكونُ بالْمُثَنَّاةِ، وبالمفتوحةِ؛ لأنَّ العماليقَ كانت مَنازِلُهم مِن اليَمامةِ إلى وَبَارٍ ويَثربُ هناك، قالَ: وكانت العَماليقُ أيضًا في المدينةِ. انتهى.

وقالَ الحافظُ أبو الْخَطَّابِ بنُ دِحْيَةَ: سُمِّيَت المدينةُ يَثْرِبَ باسمِ الذي نَزَلَها مِن العَماليقِ، وهو يَثْرِبُ بنُ عُبيدٍ وبنو عُبيدٍ هم الذين سَكَنُوا الْجُحْفَةَ، فأَجْحَفَت بهم السُّيولُ، فسُمِّيَتْ الْجُحْفَةَ، ولا يَجوزُ الآنَ أنْ تُسَمَّى المدينةُ يَثْرِبَ لقولِ النبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"يَقُولُونَ يَثْرِبَ وَهِي الْمَدِينَةُ"وكأنه كَرِهَ هذا الاسمَ؛ لأنه مِن مَادَّةِ التثريبِ، وأمَّا قولُه تعالى: {يَا أَهْلَ يَثْرِبَ} فحكايةٌ عمَّنْ قالَه مِن المنافقينَ. ومِن الغريبِ قولُ بعضِهم: إنَّ"عُرقوبًا"جَبَلٌ مُظَلَّلٌ بالسَّحابِ، وإنه لا يُمْطَرُ أبدًا، فالإضافةُ في"مَواعيدُ عُرقوبٍ"إلى المفعولِ، كأنه وَعَدَ بالْمَطَرِ ولم يُمْطِرْ، أو إلى الفاعلِ على الْمَجازِ، كأنه وَعَدَ الناظرَ إليه أن يُمْطِرَ ولم يُوفِ بذلك، وعلى ما سَبَقَ فهو فاعلٌ لا غيرُ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت