الصفحة 55 من 118

قولُه: والأحلامَ: هو جَمْعُ حُلُمٌ بضَمَّتَيْنِ، وهو ما يراه النائمُ، وفِعْلُه: حَلَمَ، بالفتحِ، بوَزْنِ رَأَى، وأمَّا الْحِلْمُ بالكسْرِ، فهو الصَّفْحُ وكَرَمُ الْخُلُقِ، وفِعْلُه: حَلُمَ بالضمِّ، مثلَ كَرُمَ؛ لأنه سَجِيَّةٌ، وأمَّا الْحَلَمُ بالفَتْحِ فهو فَسادُ الْجِلْدِ وتَفَتُّتُه، وفِعْلُه: حَلِمَ بالكسْرِ؛ لأنه وَزْنٌ يَغْلِبُ في العَاهاتِ الظاهِرَةِ كمَرِضَ وسَقِمَ، والباطنةِ كحَمِقَ ورَعِنَ، قالَ عمرُو بنُ العاصِ رَضِيَ اللهُ عنه يُخاطِبُ مُعاويةَ رَضِيَ اللهُ عنه: (البحر الوافر) .

فإنك والكتابَ إلى عَلِيٍّ ... كدابِغَةٍ وقد حَلِمَ الأديمُ

قولُه: والأحلامَ عَطْفٌ على اسمِ إنَّ، ويَجوزُ رَفْعُه، فإن قُلْتَ: إنما يُجيزُ ذلك الكِسائيُّ، وقد خالَفَه تِلميذُه الْفَرَّاءُ، فاشْتَرَطَ خَفاءَ إعرابِ الاسمِ، نحوَ: إنك وزَيدٌ ذَاهبانِ، وخَالَفَهما جميعُ البَصرِيِّينَ، فمَنَعُوا ذلك مُطْلَقًا، قلتُ: هذا مَوْضِعٌ يَكْثُرُ فيه الوَهْمُ، وإنما الْخِلافُ حيث يَتَعَيَّنُ كونُ الْخَبَرِ لاسمينِ جَميعًا، نحوَ إنك وزيدٌ ذَاهبانِ، وأمَّا نحوَ: إنَّ زَيْدًا وعمرٌو في الدارِ، فجائزٌ باتِّفاقٍ، ومنه قولُه تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ} وبيتُ كَعْبٍ إذا رَفَعَ الأحلامَ إذ التضليلُ مَصدَرٌ، فيَصِحُّ الإخبارُ به عن الواحدِ وما فَوْقَه، وإنما الْخِلافُ في تَخريجِ ذلك، فقالَ الكُوفِيُّونَ: مَعطوفٌ على مَحَلِّ الاسمِ، وقالَ البَصرِيُّونَ: هو إمَّا مُبتدأٌ حُذِفَ خَبَرُه، والجملةُ مُعترِضَةٌ بينَ اسمِ إنَّ وخَبَرِها، وإمَّا مُبتدأٌ خَبَرُه ما بعدَه، وحُذِفَ خَبَرُ"إنَّ لدَلالةِ خَبَرِ الْمُبتدأِ عليه، ويَشهَدُ للأَوَّلِ قولُه: (البحر الطويل) :"

فمَن يَكُ أَمْسَى بالمدينةِ رَحْلُه ... فإني وقَيَّارٌ بها لغَريبُ

وقَيَّارٌ: اسمٌ لفَرَسِه، بدليلِ أنَّ اللامَ لا تَدْخُلُ في خَبَرِ المبتدأِ، ويَشْهَدُ للثاني قولُه: (البحر الطويل) :

خَلِيلَيَّ هل طِبٌّ فإني وأنتما ... وإن لم تَبُوحَا بالْهَوى دَنِفَان

بدليلِ أنه لا يُخْبَرُ عن الواحدِ بالْمُثَنَّى، ومنه قِراءةُ بعضِهم: {إِنَّ اللهَ وَمَلَائِكَتُهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ} برَفْعِ مَلائكتِه، أي: إنَّ اللهَ يُصَلِّي، وملائكتُه يُصَلُّونَ، إذ لا يُخْبَرُ عن الواحدِ بالْجَمْعِ، وقد يُخَرَّجُ على الوجهِ الأَوَّلِ على أن يُقَدَّرَ الجمْعُ للتعظيمِ مِثلُه في: {قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ} .

وقولُه:"تَضليلُ"تَفعيلٌ مِن الضلالِ، أي: تَضييعٌ وإِبطالٌ. ومنه: {أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ} ولهذا قيلَ لامرئِ القَيْسِ بنِ حَجَرٍ:"الْمَلِكُ الضليلُ"؛ لأنه ضَلَّلَ مُلْكَ أبيه، أي: ضَيَّعَه، والأصْلُ: ذواتُ تَضليلٍ، ومِثلُه: {هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللهِ} أي: هم ذَوُو دَرجاتٍ، أو جُعِلَتْ نفسُ التضليلِ مُبالَغَةً، كقولِ الآخَرِ يَذْكُرُ ظَبيةً فَقَدَتْ وَلَدَها: (البحر البسيط)

تَرْتَعُ ما رَتَعَتْ حتى إذا ادَّكَرَتْ ... فإنما هي إقبالٌ وإدبارُ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت