الصفحة 54 من 118

فانْعِقْ بِضَأْنِكَ يَا جَرِيرُ فَإِنَّمَا ... مَنَّتْكَ نَفْسُكَ في الخلاءِ ضَلالَا

وهما محذوفان في البيتِ، التقديرُ: إذا جَعَلْتَ"ما"اسمًا: مَنَّتْكَهُ، أو مَنَّتْكَ إِيَّاهُ، وإذا جَعَلْتَ حرفًا"ما": مَنَّتْكَ الوَصْلَ أي: فلا يَغُرَّنَّكَ تَمْنِيَتُها إيَّاكَ الوَصْلَ، ولم تُقَدِّرِ الثانيَ حينئذٍ ضميرًا؛ لأن الضميرَ لا يَعودُ إلا على الأسماءِ، ولهذا اسْتُدِلَّ على اسْمِيَّةِ"مهما"و"ما التَّعَجُّبِيَّةِ"و"أل"الموصولةِ بعَودِ الضميرِ عليهنَّ في قولِه تعالى: {مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِنْ آيَةٍ} وقولِك: ما أَحسنَ زيدًا، وجاءني الضارِبُ ومَن زَعَمَ حَرفيَّةَ"أل"قَدَّرَ مَرْجِعَ الضميرِ مَوصوفًا مَحذوفًا.

فإن قلتَ: كيف جَوَّزْتَ تقديرَ المفعولِ الثاني على الوجهينِ الأَوَّلَيْنِ ضَميرًا منفصلًا مع أنهم نَصُّوا على امتناعِ العائدِ الْمُنْفَصِلِ، نحوَ: جاءَ الذي إيَّاهُ أَكْرَمْتُ، أو ما أَكْرَمْتُ إلا إيَّاهُ؟ قلتُ: إنما امْتَنَعَ في نحوِ: ما أَوْرَدْتُه؛ لأن حَذْفَه في الْمِثالِ الثاني مُستلزِمٌ لِحَذْفِ إلا، فيُوهِمُ نفيَ الفعلِ عن المذكورِ، وإنما المرادُ به نفيُه عمَّا عَدَّه، وأمَّا الْمِثالُ الأوَّلُ؛ فإنَّ فَصْلَ الضميرِ فيه يُفيدُ الاختصاصَ عندَ البَيانيِّ، والاهتمامَ عندَ النَّحْويِّ، فإذا حُذِفَ فإنما يَتبادَرُ الذهْنُ إلى تقديرِه مُؤَخَّرًا على الأصلِ، فيَفوتُ الغَرَضُ الذي فُصِلَ لأجْلِه، وأمَّا الضميرُ في البيتِ؛ فإنه يَسْتَوِي معناه مُتَّصِلًا ومُنْفَصِلًا، فلا يَفوتُ بتقديرِه مُتَّصِلًا غَرَضٌ، وبهذا يُجابُ عن سؤالٍ يُورَدُ في نحوِ قولِه تعالى: {وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ} وتقديرُه: أنه إن قُدِّرَ: ومِمَّا رَزقناهمُوهُ لزِمَ اتِّصالُ الضميرينِ الْمُتَّحِدَي الرُّتْبَةِ، وذلك قليلٌ في ضَميرِ الغَيْبَةِ، مُمْتَنِعٌ في غيرِهما، ولا يَحْسُنُ حَمْلُ التنزيلِ على القليلِ، وإن قُدِّرَ: رَزقناهمْ إيَّاهُ لَزِمَ حَذْفُ العائدِ الْمُنْفَصِلِ، والجوابُ بالثاني، وأنَّ العائدَ الْمُنْفَصِلَ لا يَمْتَنِعُ حَذْفُه على الإطلاقِ.

وقولُه:"وما وَعَدَتْ": لك في"ما"هذه الأَوْجُهُ الثلاثةُ، ووَعَدَ أيضًا يَتَعَدَّى لاثنينِ نحوَ: {وَعَدَكُمُ اللهُ مَغَانِمَ} {أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْدًا حَسَنًا} التقديرُ أيضًا: ما وَعَدَتْكَهُ أو ما وَعَدَتْكَ إيَّاه، أو ما وَعَدَتْكَ الوَصْلَ. والوَعْدُ هنا للخَيْرِ؛ لأن الْمَوْضِعَ لا يَحتمِلُ غيرَه، وعَكْسُه: {وَإِنْ يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ} وإذا لم قَرينةٌ، فالوَعْدُ للخيرِ، والإيعادُ للشرِّ، قالَ: (البحر الطويل) .

وإني وإن أَوْعَدْتُه أو وَعَدْتُهُ ... لَمُخْلِفُ إِيعادِي ومُنْجِزُ مَوْعِدِي

وقولُه:"إنَّ الأمانِيَّ"الروايةُ بكَسْرِ همزةِ"إنَّ"علَى أنه تعليلٌ مُستأنَفٌ، ومِثلُه في تعليلِ النهيِ: {وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا} وفي تعليلِ الأمرِ: {وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ} {اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} . {اخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ} ، {اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ} وفي تعليلِ الخبَرِ {إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ} وفَتْحُ أنَّ فيهنَّ على إضمارِ لامِ العِلَّةِ جائزٌ لغةً، وقد جَاءَت الروايةُ بالوَجهينِ في آيةِ الطُّورِ، وجَوَّزَهما في قولِ الْمُلَبِّي: لَبَّيْكَ إنَّ الحمْدَ والنِّعْمَةَ لك، والكسْرُ أَرْجَحُ؛ لأن الكلامَ حِينئذٍ جُملتانِ لا جُملةٌ واحدةٌ، وتَكثيرُ الْجُمَلِ في مَقامِ الثناءِ والتعظيمِ مَطلوبٌ، ولأنَّ إطلاقَ الثناءِ أَوْلَى مِن تَقييدِه، وإنما يَلْزَمُ التقييدُ على الكَسْرِ إذا قُدِّرَ استئنافًا بَيَانِيًّا، أعني: أن يُقَدَّرَ جوابًا لسؤالٍ مُقَدَّرٍ، أمَّا إذا قُدِّرَ استئنافًا نَحْوَيًّا فلا.

والأمانِيَّ: جَمْعُ أُمْنِيَةٍ، كالأَثافِيِّ جَمْعُ أَثْفِيَةٍ، ومِثلُه الأضاحِيُّ، والأواقِيُّ وتخفيفُ يَاءَاتِهن جائزٌ، وأصلُ أُمْنِيَةٍ: أُمْنُويَةٌ"أُفْعُولَةٌ"كأُكذوبةٍ وأُعجوبةٍ، ثم قَلَبُوا وأَدْغَمُوا، ثم أَبْدَلُوا الضمَّةَ كَسرةً.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت