الصفحة 53 من 118

الفاءُ: لِمَحْضِ السببيَّةِ، كالواقِعَةِ في جوابِ الشرْطِ؛ لأن ما قَبْلَها خَبَرٌ، وما بعدَها طَلَبٌ، وَعَطْفُ أحدِهما على الآخَرِ مُمْتَنِعٌ على الصحيحِ، ومِثلُه: زَيدٌ كاذبٌ فلا يُغْتَرُّ بقولِه، ولا ناهيةٌ فالفِعْلُ بعدَها في مَوضِعِ جَزْمٍ، ولكنه مَبْنِيٌّ لنُونِ التوكيدِ الْمُبَاشِرَةِ، وقيلَ: لا تُشْتَرَطُ الْمُباشَرَةُ، فنحوَ: لتُبْلَوُنَّ مَبْنِيٌّ أيضًا، وقيلَ: الجميعُ مُعْرَبٌ تَقديرًا، والمختارُ الأَوَّلُ، ونونُ التوكيدِ الخفيفةُ بِمَنْزِلَةِ إعادةِ الفِعلِ ثانيًا، والشديدةُ بِمَنْزِلَةِ إعادتِه ثانيًا وثالثًا، قالَه الخليلُ، وليست الخفيفةُ مُخَفَّفًةً مِن الشديدةِ، خِلافًا للكُوفِيِّينَ، وتوكيدُ الفِعلِ بعدَ"لا"جائزٌ في النَّثْرِ باتِّفاقٍ، إن كانتْ ناهيةً نحوَ: {وَلَا تَحْسَبَنَّ اللهَ غَافِلًا} وقولِ كعبٍ: فَلَا يَغُرَّنَّكَ، وخاصٌّ بالشعْرِ عندَ الْجُمهورِ إن كانت نافيةً كقولِه: (البحر البسيط) .

تاللهِ لا يُحْمَدَنَّ المرءُ مُجْتَنِبًا ... فِعلَ الكِرامِ وإن فاقَ الوَرَى حَسَبَا

وأَجازَه ابنُ جِنِّي وابنُ مالِكٍ وغيرُهما في النَّثْرِ تَمَسُّكًا بظَاهِرِ قولِ اللهِ تعالى: {ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ} {وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً} .

والكافُ مفعولٌ قُدِّمَ وُجوبًا؛ لأنه ضَميرٌ لو تَأَخَّرَ لَزِمَ انفصالُه، ومِثالُه: أَكْرَمَنِي زَيدٌ، والْخِطابُ إمَّا لغيرِ مُعَيَّنٍ مِثلُ: {وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُوا رُؤُوسِهِمْ} على أَحَدِ الوَجهينِ، وإمَّا لنفسِه على طريقةِ التجريدِ، ومِثلُه: قولُك: يا نَفْسُ، وقولُ امرئِ القيسِ بنِ حَجَرٍ خِلافًا لِمَنْ غَلِطَ: (البحر المتقارِب) .

تَطاوَلَ لَيْلُك بالأَثْمُدِ ... ونَامَ الْخَلِيُّ ولم تَرْقُد

والأَثْمُدُ: بفَتْحِ الهمزةِ وضَمِّ الميمِ: اسمُ مَوْضِعٍ.

وقولُه:"ما مَنَّتْ"تَحْتَمِلُ"ما"أَوْجُهًا:

أحدُها: أن يكونَ موصولًا اسْمِيًّا بمعنى الذي، فمَوضِعُها رَفْعٌ على الفاعليَّةِ، وقولُ بعضِ الْمُعْرِبِينَ في مثلِ ذلك: إنها وَصِلَتَها في مَوْضِعِ رَفْعٍ. مردودٌ بظُهورِ الإعرابِ في نفسِ الموصولِ، في نحوِ: جاءَ اللذانِ قامَا، ولْيَقُمْ أيُّهُم هو أَفْضَلُ، وقولُ بَنِي عُقَيْلٍ أو هُذَيْلٍ: جاءَ اللذونَ قاموا، وقولُ بني هُذَيْلٍ: جاءَ اللاؤون فَعَلُوا، قالَ: (البحر الوافِر)

هم اللاؤونَ فَكُّوا الغُلَّ عَنِّي ... بِمَرْوِ الشاهِجَانِ وَهُمْ جَنَاحِي

الثاني: أن يكونَ نَكِرَةً مَوصوفةً بمعنى"شيءٍ"فيكونَ أيضًا في مَوْضِعِ رَفْعٍ على الفاعليَّةِ.

والثالثُ: أن تكونَ مَصدرِيَّةً بِمَنْزِلَةِ أنَّ وأنْ، فتكونُ وَصِلَتُها في مَوْضِعِ رَفْعٍ، ولا يكونُ الْمَوْضِعُ لها وَحْدَها؛ لأنها حَرْفٌ على الصحيحِ.

ووَزْنُ مَنَّتَ"فَعَّتْ"وأَصْلُه: مَنَّيَتْ على وزنِ"فَعَّلَتْ"فتَحَرَّكَت الياءُ، وانْفَتَحَ ما قبلَها، فقُلِبَتْ ألِفًا، فالْتَقَى ساكنانِ، فحُذِفَتْ، وهو مُتَعَدٍّ لاثنينِ، قالَ الفَرزْدَقُ: (البحر الكامل) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت