وقولُ سِيبويهِ: وزَعَمَ الخليلُ، وإنما يقولُ ذلك إذا كان الخليلُ قد خُولِفَ في ذلك القولِ، وكان الراجِحُ قولَه، والتقديرُ على هذا الوجهِ: الذي زَعَمَتْ أنها تَفِي به، أو الذي زَعَمَت الوفاءَ به واقِعًا، والأَوَّلُ أَوْلَى؛ لأن صاحِبَ"العينِ"ذَكَرَ أنَّ الغالِبَ وُقوعُ"زَعَمَ"على أنَّ وَصِلَتِها، وأنَّ وُقوعَه على الاسمينِ خاصٌّ بالشِّعْرِ كقولِه: (البحر الخفيف)
زَعَمَتْنِي شيخًا ولستُ بشيخٍ ... إنما الشيخُ مَن يَدِبُّ دَبِيبًا
وقالَ تعالى: {أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ} أي: أنهم شُركاءُ، وهذا أَوْلَى مِن أن يكونَ التقديرُ: تَزعمونَهم شُرَكَائِي؛ ولأنه قد جاءَ في مَكانٍ آخَرَ: {وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ} .
وقولُه:"كما"الكافُ: جَارَّةٌ، وما: مَصدرِيَّةٌ، وهي وَصِلَتُها في مَوضِعِ جَرٍّ، والجارُّ والمجرورُ: إمَّا حالٌ مِن ضميرِ مَصْدَرِ تَمَسَّكُ، أي: وما تُمْسِكُه إلا مُشَبَّهًا لهذا الإمساكِ، وإما نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ محذوفٍ، أي: إلا تَمَسُّكًا كهذا الإمساكِ، وهذا الاستثناءُ نَظيرُ الغايةِ في قولِه تعالى: {حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ} وقولِهم: حتى يَبْيَضَّ القارُّ، وحتى يَؤُوبَ القارظانِ، وهما رجُلانِ مِن عَنْزَةَ خَرَجَا يَجْنِيانِ القُرْظَ، فلم يَرْجِعا.
وقد كَثُرَ وَصْفُهم النساءَ بالإخلافِ، ومنه قولُ ابنِ السَّرَّاجِ النحويِّ: (البحر الكامل) .
مَيَّزْتُ بينَ جَمَالِها وَفِعَالِها ... فإذا الْمَلاحةُ بالْخِيانةِ لا تَفِي
حَلَفَتْ لنا أن لا تَخونَ عُهُودَنا ... فكأنها حَلَفَتْ لنا أن لا تَفِي
وقولُ الآخَرِ: (البحر الطويل)
وإن حَلَفَتْ لا يَنْقُضُ النأيُ عَهْدَها ... فليس لِمَخضوبِ البَنانِ يَمِينُ
وقولُ الحارِثِ بنِ عُمرَ الكِنديِّ: (البحر الخفيف)
كلُّ أُنْثَى وإِنْ بَدَا لَكَ مِنْهَا ... آيةُ الحبِّ حُبُّها خَيْتَعُورُ
أي: مُضْمَحِلٌّ، وهو بالخاءِ الْمُعْجَمَةِ، والعينِ المهمَلَةِ، بينَهما مُثَنَّاةٌ مِن تحتُ، ثم مُثَنَّاةٌ مِن فوقُ.
قالَ رَحِمَه اللهُ تعالى ورَضِيَ عنه آمينَ:
10 -فلا يَغُرَّنَّكَ ما مَنَّتْ وما وَعَدَتْ ... إنَّ الأمانِيَّ والأحلامَ تَضليلُ