الثاني: أن تكونَ الكافُ جَارَّةً، و"ما"مَوصولًا اسْمِيًّا، وقد أُجِيزَ ذلك في قولِه تعالى: {قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ} قيلَ: التقديرُ، كالذي هو آلِهَةٌ لهم.
الثالثُ: أن تكونَ الكافُ جَارَّةً و"ما"زائدةً غيرَ لازِمَةٍ، كقولِه: (البحر الطويل) .
ونَنْصُرُ مَوْلانا ونَعْلَمُ أنَّهُ ... كما الناسُ مَجرومٌ عليه وجَارِمُ
الرابعُ: أن يكونَ كذلك إلا أنَّ زِيادةَ"ما"لازِمةٌ، وذلك في نحوِ قولِهم: هذا حقٌّ كما أنك ههنا. قالَ سِيبوَيْهِ رَحِمَه اللهُ: زَعَمَ - يعني: الخليلُ- أنَّ"ما"لَغْوٌ، إلا أنها لا تُحْذَفُ كَراهةَ أنْ يَجِيءَ لَفْظُها كلَفْظِ"كأنَّ".
الخامسُ: أن تكونَ"ما"كافَّةً للكافِ عن عَمَلِ الجَرِّ كقولِ: (البحر الطويل) .
أخٌ ماجِدٌ لم يُخْزِنِي يومَ مَشْهَدٍ ... كما سيفُ عمرٍو لم تَخُنْهُ مَضارِبُهْ
وقد خَرَّجَ عليه الآيةَ الزَّمخشريُّ وغيرُه، ومَن وَصَلَ"ما"الْمَصدرِيَّةَ بالجُمَلِ الاسميَّةِ ادَّعَى ذلك هنا، وأَبْطَلَ هذا القَسَمَ.
وقولُه:"تَلَوَّنُ"أَصْلُه: تَتَلَوَّنُ، فحُذِفَت التاءُ الثانيةُ للتَّخْفِيفِ، وقالَ هِشامٌ الكوفيُّ: المحذوفُ الأُولَى، وهو بعيدٌ؛ لأن حَرْفَ المضارَعَةِ حرفُ مَعْنًى، ولأنَّ الثِّقَلَ، إنما حَصَلَ بالثانيةِ، قيلَ: ولأنَّ الثانيةَ قد ثَبَتَ لها التَّغييرُ في مِثلِ"تَذَّكَّرُونَ"بالإدغامِ، ويَرُدُّه أنَّ الأُولَى ثَبَتَ فيها ذلك أيضًا، كما في قراءةِ البَزِّيِّ: {وَلَا تَيَمَّمُوا} .
وقولُه: تَلَوَّنُ في أَثوابِها الْغُولُ: صِلَةٌ لِمَا، وما وصِلَتُها في مَوْضِعِ جَرٍّ بالكافِ، والكافُ ومَجرورُها في مَوْضِعِ نَصْبٍ نَعْتًا لِمَصْدَرٍ مَحذوفٍ دَلَّ عليه ما قَبْلَه؛ لأن الذي لا يَدومُ على حالٍ مُتَلَوِّنٌ، فكأنه قالَ: تَتَلَوَّنُ تَلَوُّنًا، كما يَتَلَوَّنُ الغُولُ، وهي مِن تَشبيهِ الْمَعقولِ بالمحسوسِ، كتَشبيهِ العِلْمِ بالنُّورِ.
والهاءُ في"أثوابِها"عائدةٌ على مُتَأَخِّرٍ لَفْظًا، مُتَقَدِّمٍ رُتْبَةً ونِيَّةً، كالهاءِ من قولِه تعالى: {فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى} .
ويُستفادُ من قولِه:"تَلَوَّنُ"وقولِه:"في أثوابِها"تأنيثُ الغُولِ، كما اسْتُفِيدَ من قولِه:"بها"تأنيثُ الحالِ.
والغُولُ بالضَّمِّ: كلُّ شيءٍ اغتالَ الإنسانَ، فأَهْلَكَهُ، والمرادُ هنا: الواحدةُ مِن السَّعَالِي، وهي إناثُ الشياطينِ، سُمِّيَتْ بذلك؛ لأنها فيما زَعَمُوا تَغتالُهم، أو لأنها تَتَلَوَّنُ كلَّ وَقْتٍ، من قولِهم: تَغَوَّلَت عليَّ البلادُ، إذا اخْتَلَفَتْ.
وللعرَبِ أُمورٌ تَزْعُمُها لا حقيقةَ لها، منها: أنَّ الغُولَ تَتَرَاءَى لهم في الْفَلَوَاتِ، وتَتَلَوَّنُ لهم، وتُضِلُّهُم عن الطريقِ.
ومنها: الْهَديلُ، زَعَمُوا أنه فَرْخٌ كان على عهدِ نوحٍ عليه السلامُ، فصادَه بعضُ الجوارِحِ، وأنَّ جميعَ الحمامِ تَبكِيهِ إلى يومِ القِيامةِ , قالَ: (البحر المتقارِب) .
يُذَكِّرُنِيكِ حَنينُ العَجُولِ ... وصوتُ الحمامةِ تَدْعُو هَدِيلًا
العَجولُ: بالفتْحِ: الفاقِدَةُ لوَلَدِها مِن الإِبِلِ.