الصفحة 47 من 118

وذلك لأنَّ أباه عَرَبِيٌّ، وأمَّه أَمَةٌ , فَشَطْرُهُ مِن جِهةِ أبيه يُفاخِرُ به الناسَ، وشَطْرُه مِن جِهةِ أُمِّهِ يُحامِي عنه بالنَّصْلِ: وهو السيفُ. وفي البيتِ استعمالُ"سائر"بمعنى الباقِي، لا بمعنى الجميعِ، ولا نَعْلَمُ أحدًا مِن أَئِمَّةِ اللغةِ ذَكَرَ أنها بمعنى الجميعِ إلا صاحبَ"الصِّحَاحِ"وهو وَهْمٌ.

وقولُه:"مِن دَمِها"أي: في دَمِها، كقولِه تعالى: {أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ} ، {إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ} .

واختُلِفَ في وَزْنِ"دَم"فقالَ سِيبويهِ وأصحابُه:"فَعْلٌ"بالإسكانِ، واحْتَجُّوا بأَمرينِ:

أحدُهما: جَمْعُه على دماءٍ ودَمِيٍّ، كما جُمِعَ نحوَ: ظَبْيٍ ودَلْوٍ على ذلك، ولو كان مِثلَ عَصَا وقَفًا، لم يُجْمَعْ عليهما.

والثاني: أنَّ الحركةَ زِيادةٌ، فلا تُدْعَى إليه إلا بدليلٍ.

وقالَ الْمُبَرَّدُ:"فَعَل"بالتحريكِ بدليلينِ.

أحدُهما بأنَّ فِعْلَه: دَمِيَ يَدْمَى، كفَرِحَ يَفْرَحُ، فأَصْلُ الدمِ: دَمِيَ، كفَرِحَ، قالَ أبو بكرٍ: وليس قولُه بشيءٍ؛ لأن كلامَنا في الدَّمِ الذي هو جَوهَرٌ، لا في الدَّمِ الذي هو حَدَثٌ.

والثاني: أنَّهم لَمَّا رَجَعُوا إليه لامَه قَلَبُوها ألِفًا: (بحرُ الرمَلِ) .

غَفِلَتْ ثم أَتَتْ تَطْلُبُهُ ... فإذا هي بعِظامٍ ودِمَا

ولو كانت العينُ ساكنةً لصَحَّت اللامُ، كما في ظَبْيٍ وغَزْوٍ.

وقالَ أبو الفَتْحِ: والجوابُ عن هذا بأنَّ الْمُرادَ إمَّا الْمَصْدَرُ على حَذْفِ مُضافٍ , أي: ذي دِمَا، وإمَّا الْجَوْهَرُ، ولكنه ردَّ اللامَ، وأَبْقَى العينَ الْمُتَحَرِّكَةَ كما كانتْ قبلَ الرَّدِّ.

قلتُ: ويُؤَيِّدُ الثانيَ قولُه: (البحر الكامل)

قد أَقْسَمُوا لا يَمْنَحُونَك نَفْعَهمْ ... حتى تَمُدَّ إليهمُ كَفَّ اليد

واليدُ:"فَعْلٌ"بالإسكانِ عندَ الْمُبَرَّدِ وغيرِه مِن البَصرِيِّينَ، بل ذَكَرَ الْجَوهريُّ أنه مُتَّفَقٌ عليه، وليسَ كذلك، بل قالَ الكُوفِيُّونَ: إنها"فَعَلٌ"بالتحريكِ، واختارَه ابنُ طاهِرٍ.

فإن قُلْتَ: فكيفَ قالَ الآخَرُ: إنَّ مع اليومِ أخاه غَدْوًا؟

قلتُ: يَجِبُ أن يُدَّعَى أنه نَطَقَ بالكلمةِ على أَصْلِها، ولم يُقَدِّرْ أنه رَدَّ اللامَ بعدَ حَذْفِها، وإنما وَجَبَ هذا التقديرُ للجَمْعِ بينَ الأَدِلَّةِ.

قولُه:"فَجَعٌ"هو مَصدَرُ فَجَعَه، إذا أصابَه بمكروهٍ، والفَجيعةُ: ما أَوْجَعَ مِن الْمَصائبِ.

قولُه:"وَلَعٌ"وهو مَصدَرُ"وَلَعَ"بالفتْحِ إذا كَذَبَ، وإنما قالوا: وَلَعٌ والِعٌ على الْمَجازِ الإسناديِّ، كما قالوا: عَجَبٌ عاجِبٌ، وجَمْعُ الوالِعِ وَلَعَةٌ، ككاذِبٍ وكَذَبَةٍ، والوَلَعانُ بالتحريكِ، بمعنى: الوَلْعِ بالإسكانِ.

قالَ: وهُنَّ مِن الإخلافِ، والوَلَعانُ أي: مِن أهلِ الإخلافِ، أو قَدَّرَ أنهنَّ خُلِقْنَ من هذينِ الوصفينِ على الْمُبالَغَةِ في وَصْفِهِنَّ بهما، ومِثلُه: {خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ} ويُؤَيِّدُه أنَّ بَعْدَه {فَلَا تَسْتَعْجِلُونَ} . وقيلَ: العَجَلُ: الطينُ، بلُغَةِ حِمْيَرَ، وأَنْشَدَ:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت