فمَن رَواهُ بالْمُهْمَلَةِ فهو مِن قولِهم: نَسَأَ اللهُ في أَجَلِكَ، أي: أَخَّرَ، والأَلِفُ على هذا مُبْدَلَةٌ عن الهمْزِ , والمعنى: أُعْطَى مِن العيشِ ما يَسُدُّ رَمَقِي، أي: بَقِيَّةَ نَفْسِي، فإن قَصَدْتَ مَصَّ الشيءِ رُمْتَ الْمُسْتَبْعَدَ الصَّعْبَ وفيه تَقديمُ الصِّفةِ، وإضافتُها إلى الموصوفِ، كقولِهم: أخلاقُ ثِيابٍ، ومَن رَوَاهُ بالْمُعجَمَةِ فمعناه: استقصاءُ الشُّرْبِ بالْمَشافِرِ. وبيتُ عُروةَ بنِ أُذَيْنَةَ: (البحر البسيط) .
لقد عَلِمْتُ وما الإسرافُ مِن خُلُقِي ... أنَّ الذي هو رِزْقِي سوفَ يَأْتِينِي
وهو بالْمُعْجَمَةِ أَظهرُ، ومعناه: التطَلُّعُ إلى الشيءِ وبعدَه:
أَسْعَى إليه فيُعَنِّينِي تَطَلُّبُه ... ولو قَعَدْتُ أَتَانِي لا يُعَنِّينِي
ولهذا الشعْرِ حِكايةٌ حَسَنَةٌ، وهي أنَّ قائلَه وَفَدَ على هِشامِ بنِ عبدِ الْمَلِكِ في جَماعةٍ مِن الشُّعراءِ، فقالَ: ألستَ القائلَ، وأَنْشَدَه البيتينِ؟ قالَ: نعمْ. قالَ: فما بالُك قد جِئْتَ مِن الْحِجازِ إلى الشامِ تَطْلُبُ الرِّزْقَ؟ فقالَ له: لقد وَعَظْتَ يا أميرَ المؤمنينَ، وأَذْكَرْتَنِي ما أَنسانِيهِ الدَّهْرُ. ثم خَرَجَ مِن فَوْرِه، فرَكِبَ راحِلَةً وتَيَمَّمَ الْحِجازَ، ومَكَثَ هِشامٌ يَوْمَه مُشْتَغِلًا عنه، فلَمَّا جاءَ الليلُ، ودَخَلَ إلى فِراشِه، ذَكَرَه، فقالَ: رجلٌ مِن قُريشٍ، قالَ حِكمةً، فرَدَدْتُه، ثم هو شاعرٌ، ولا آمَنُ لِسانَه، فلَمَّا أَصْبَحَ جَهَّزَ مَوْلًى له إلى الْحِجازِ، وأَعطاهُ مِائتَيْ دِينارٍ فلم يُدْرِكْه حتى دَخَلَ بيتَه، فلَمَّا دَفَعَها إليه، قالَ له: أَبْلِغْ أميرَ المؤمنينَ السلامَ، وقُلْ له: كيفَ رأيتَ البيتينِ؟ سَعَيْتُ فأَكْدَيْتُ، ورَجَعْتُ إلى بَيْتِي، فَأَتَانِي رِزْقِي.
ومِن ذلك قولُ الآخَرِ: (البحر الوافر) .
أُعَلِّمُه الرِّمايةَ كلَّ يومٍ ... فلَمَّا اشْتَدَّ ساعِدُه رَمَانِي
وَكَمْ عَلَّمْتُه نَظْمَ الْقَوَافِي ... فلَمَّا قالَ قَافِيَةً هَجَانِي
الروايةُ الْجَيِّدَةُ"اسْتَدَّ"بالْمُهْمَلَةِ مِن السَّدَادِ، وهو الصوابُ، ومَن أَعْجَمَها ذَهَبَ به إلى معنى الاشتدادِ والقُوَّةِ.
ومِن ذلك قولُهم: سَمَّتَ العاطِسَ، وشَمَّتَه، فمَن أَهْمَلَها، فمَعناه: دَعَا له بالبَقاءِ على سَمْتِه، ومَن أَعْجَمَها، فمَعناه: دَعَا له بأن يُسْلَبَ عنه شامِتُوه، أي: يُصيبَه شيءٌ، فيَشْمَتَ به عَدُوُّه، وقد فُسِّرَا بغيرِ ما ذَكرناهُ وليس بِمُنَاسِبٍ.
وكذلك قولُهم: الشِّطْرَنْجُ، يُرْوَى بالْمُهمَلَةِ؛ لأنه يُجْعَلُ أَسْطُرًا، وبِالْمُعْجَمَةِ؛ لأن اللاعبينَ يَقتسمانِ القِطَعَ شَطْرَيْنِ، والشطْرُ: النِّصْفُ.
قالَ عَنترةُ بنُ شَدَّادٍ العَبْسِيُّ: (البحر الكامل) .
إني امرُؤٌ مِن خَيْرِ عَبْسٍ مَنْصِبًا ... شَطْرِي وأَحْمِي سائِرِي بالْمُنْصُل