الصفحة 45 من 118

ومِن هنا أَجازَ يُونسُ في النُّدْبَةِ: وا زيدٌ الطَّوِيلَاهُ، تَنزيلًا للصِّفَةِ والموصوفِ مَنزِلةَ الشيءِ الواحدِ، ويَشْهَدُ له قولُ بعضِ العرَبِ: واجُمْجُمَتَيَّ الشامِيتِيناهُ، وإذا جازَ للحالِ أن تَحْصُلَ به الفائدةُ المقصودةُ مِن الكلامِ كما في قولِه تعالى: {فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ} .

{فَمَا لِلَّذِينَ كَفَرُوا قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ} . إذ السؤالُ إنما هو في المعنى عن الحالِ، فجَوازُ ذلك في الصِّفَةِ أَجْدَرُ، وعلى مسألةِ الحالِ يَتَخَرَّجُ قولُ الحسَنِ البَصريِّ:"كأنك بالدنيا لم تكنْ، وبالآخِرَةِ لم تَزَلْ". وذلك بأن تُقَدِّرَ الظرْفَ خَبَرًا، والجملةَ الْمَنْفِيَّةَ حالًا، ويُؤَيِّدُه أنها رُوِيَتْ مَقرونةً بالواوِ، فانْتَفَى أن يكونَ خَبَرًا، وعلى ذلك قولُهم: كأنك بالشمسِ وقد طَلَعَتْ. وقولُ الحريريِّ:

كأنِّي بكَ تَنْحَطُّ إلى القَبْرِ وتَنْغَطُّ

وقد أَسْلَمَكَ الرَّهْطُ إلى أَضْيَقَ مِن سَمِّ

أي: كأنِّي بكَ مُنْحَطًّا.

وأمَّا قولُ الْمُطَرَّزِيِّ: إنَّ الأصلَ كأني أُبْصِرُكَ، ثم حُذِفَ الفِعْلُ، ففيه حَذْفُ فِعْلٍ، وزيادةُ حَرْفٍ.

وقولُه: سِيطَ: مِن ساطَ الماءَ وغيرَه، يَسُوطُه سَوْطًا، إذا خَلَطَه بغيرِه، وضَرَبَهما حتى اخْتَلَطَا، ومنه قِيلَ للآلَةِ التي يُضْرَبُ بها:"سَوْطٌ"؛ لأنه يَسُوطُ اللحمَ بالدَّمِ، ويَجوزُ أن يُقرأَ:"قد شِيطَ"بالشينِ الْمُعْجَمَةِ؛ لأنه يُقالُ: شَاطَه بمعنى: سَاطَهُ، وقد رُوِيَ بيتُ الْمُتَلَمِّسِ بالوجهينِ وهو:

(البحر الطويل)

أَحارِثُ إنَّا لو تُشَاطُ دِماؤُنا ... تَزَايَلْنَ حَتَّى لا يَمَسَّ دَمٌ دَمَا

قولُه: تَزَايَلْنَ. البيتُ جارٍ على ما يَزْعُمُه العربُ مِن أنَّ دَمَ المتباغِضَيْنِ لا يَخْتَلِطُ، ولهذا قالَ: (البحر الوافر) .

فلو أَنَّا عَلَى حَجَرٍ ذُبِحْنَا ... جَرَى الدَّمَيَانِ بالْخَبَرِ اليَقين

ولِمَا لَحَظُوه بينَ الْمُتباغِضَيْنِ مِن تَباعُدِ قُلُوبِهما، وتَزايُلِ دِمائِهما، سَمَّوْهُما:"خَصْمَيْنِ"؛ لأنَّ كُلًّا منهما في خَصْمٍ، والْخُصْمُ بالضَّمِّ: الجانبُ والناحيةُ. وقالَ الزَّمخشريُّ: أَتانِي آتٍ في النومِ فقالَ: مِمَّ اشْتُقَّ اسمُ الْعَدُوِّ؟ فقلتُ: من"العَدْوَةِ"؛ لأنَّ كُلًّا مِن الْمُتَعَادِيَيْنِ في"عَدوةٍ"واشْتَقَّهُ غيرُه من عَدَا يَعْدُو؛ لأن كُلًّا منهما يَعْدُو على الآخَرِ، والعِدوةُ: شَطُّ الوادي، وأَوَّلُها مُثَلَّثٌ، ويُقالُ أيضًا: عِدْيَةٌ بقَلْبِ الواوِ ياءً للكَسرةِ، ولم يُعْتَدَّ بالدالِ لسُكونِها، ونَظيرُه: صِبْيَةٌ، وقد قُرئَ بالأَوْجُهِ الأربعةِ.

ويَجوزُ في أَوَّلِ سِيطَ وشِيطَ ونحوِهِما مِن فَعَلَ المفعولُ الثلاثيُّ الْمُعَلُّ العينِ إخلاصُ الكَسْرِ، وهو لغةُ قُريشٍ ومَن جاوَرَهم، وإشمامُ الكسرةِ الضمَّ وهو لغةُ كثيرٍ مِن قَيْسٍ وأكثرِ بني أَسَدٍ، وإخلاصُ الضمِّ، وهو لُغةُ بعضِ تَميمٍ وجميعِ فَقْعَسٍ ودُبَيْرٍ، وهما مِن فُصَحَاءِ بني أَسَدٍ.

ونَظيرُ بيتِ الْمُتَلَمِّسِ في رِوايتِه بالسينِ والشينِ بيتُ ابنِ دُرَيْدٍ: (بحرُ الرجَزِ)

أَرْمُقُ الْعَيْشَ على بَرَضٍ فإنْ ... رُمْتُ ارتشافًا رُمْتُ صَعْبَ الْمُنْتَسَا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت