والجوابُ: أنَّ"أل"هنا لِمُجَرَّدِ التعريفِ مِثلُها في الرجُلِ، لا للتعريفِ والتعويضِ مِثلُها في: {فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى} كما أنَّ الهاءَ في"وِجْهَة"لِمُجَرَّدِ التأنيثِ، مِثْلُها في مُسْلِمَة، لا للتأنيثِ والتعويضِ مِثْلُها في"عِدَة"وأيضًا فقد يَجْتَمِعُ العِوَضُ والْمُعَوَّضُ منه في الضرورةِ كقولِه:
أقولُ يا اللهمَّ يا اللهُمَّا
وقولِه:
هُمَا نَفَثَا فِي فِيَّ مِن فَمَوَيْهِمَا
والرحيبُ: الواسِعُ، والقِطَابُ: مَجْمَعُ الجيبِ، ومنه: قَطَّبَ بينَ عَيْنَيْهِ: إذا جَمَعَ، وجاؤوني قاطِبَةً، أي: جميعًا، يقولُ: إنَّ عُنُقَها واسعٌ بدليلِ اتِّساعِ مُجْتَمَعِ جَيْبِها. والْبَضَّةُ: البيضاءُ الرَّخْصَةُ، والْمُتَجَرَّدُ، بفَتْحِ الراءِ: الْجَسَدُ.
تَنبيهٌ: نِيابةُ"أل"عن الضميرِ في نَحْوِ: حَسَنُ الوجهِ من حيثُ هو الضميرُ، لا مِن حيثُ هو مُضافٌ إليه، ورُبَّمَا تُوُهِّمَ مِن كلامِهم الثاني، وقد اسْتَحْسَنَ ذلك الزَّمخشريُّ، حتى جَوَّزَ نِيابَتَها عن الْمُضافِ إليه الْمُظْهَرِ، فقالَ في قولِه تعالى: {وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ} : إنَّ الأصلَ أسماءُ الْمُسَمَّيَاتِ، ولا أَعْلَمُ أَحَدًا قالَ بهذا قَبْلُ، والمشهورُ في الآيةِ الكريمةِ قولان:
أحدُهُمَا: أنَّ الأَصْلَ مُسَمَّيَاتُ الأسْماءِ ثُمَّ حَذَفَ الْمُضافَ، وعادَ الضميرُ مِن (ثُمَّ عَرَضَهُمْ عليه) كما عادَ على الْمُضافِ المحذوفِ في قولِه تعالى: {أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ} الأصْلُ: أو كذي ظُلُمَاتٍ يَغشاهُ.
الثاني: أنَّ الأسماءَ أُريدَ بها الْمُسَمَّيَاتُ، فلا حَذْفَ ألْبَتَّةَ.
المسألةُ الرابعةُ: أنه أَخْبَرَ عن اسمِ"أنَّ"بعدَ"لو"بالْمُفْرَدِ، وقد مَضَى ذلك مَشْرُوحًا.
قالَ:
7 -لكنَّها خُلَّةٌ قد سِيطَ مِن دَمِهَا ... فَجْعٌ ووَلْعٌ وإخلافٌ وتَبديلُ
قولُه:"لكنها خُلَّةٌ"البيتَ: مَوْقِعُ لكنَّ وما بعدَها مِمَّا قَبْلَها كموقِعِها في قولِك: لو كانَ عالِمًا لأَكْرَمْتُه، لكنه ليس بعالِمٍ ولا صالِحٍ في أنَّ ما بعدَها توكيدٌ لمفهومِ ما قَبْلَها معَ زِيادةٍ عليه.
وقولُه:"قد سِيطَ"إلى آخِرِه, جُملةٌ في مَوْضِعِ الرَّفْعِ صِفةٌ لِخُلَّةٍ، ولولا هي لم تَحْصُل الفائدةُ، ونَظيرُها الجملةُ التي بعدَ قومٍ مِن قولِه تعالى: {بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ} {بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ} . وعُلِمَ بذلك أنَّ الفائدةَ كما تَحْصُلُ مِن الْخَبَرِ كذلك تَحْصُلُ مِن صِفتِه، وهذا يُشْكِلُ على أبي عليٍّ في مَسألةٍ؛ وذلك أنه حَكَى عن أبي الْحَسَنِ رَحِمَه اللهُ أنه امْتَنَعَ مِن إجازةِ: أَحَقُّ الناسِ بمالِ أبيه ابنُه؛ لأنه ليس في الخبَرِ إلا ما في الْمُبتدأِ. ثم قالَ: فإن قلتَ: أَحَقُّ الناسِ بمالِ أبيه ابنُه البارُّ به، أو النافِعُ له، أو نحوَ ذلك، كانت المسألةُ على فَسادِها أيضًا؛ لأن الْخَبَرَ نفسَه غيرُ مفيدٍ ولا يَنفعُه مَجيءُ الصِّفةِ مِن بعدِه؛ لأنَّ وَضْعَ الْخَبَرِ على تَناوُلِ الفائدةِ منه، لا مِن غيرِه. حَكَى ذلك عنه عبدُ الْمُنْعِمِ الإسكندريُّ، في كتابِ"التُّحْفَةِ"ونظيرُ تصحيحِ الصفةِ للخَبريَّةِ بتصحيحِها للابتدائيَّةِ في قولِه تعالى: {وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ} وتصحيحُها لدخولِ الفاءِ في الخبَرِ في قولِه تعالى: {قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ} .