فإنني بهمُ عَروفُ
ولقد نَزَلْتُ بهمْ فلم ... أَرَهُمْ يُراعُون الضُّيوفَ
وبَلَوْتُهُم فوَجَدْتُهم ... لَمَّا سَبَكْتُهُمُ زُيوفَ
مجزوءُ الكامِلِ الْمُرفَلِ.
ألا ترَى أنها إذا أُطْلِقَتْ ظَهَرَ الأوَّلُ والثالثُ مَرفوعينِ، والرابعُ والخامسُ مَنصوبينِ، والثاني مَجرورًا، وكذا باقي القَصيدةِ.
واعلَمْ أنَّ أَشعارَهم نَاطِقَةٌ بإلغاءِ هذا الذي اعْتَبَرَه ابنُ الْخَشَّابِ، بل قالوا في الأَسْجَاعِ ـ معَ أنها أَوْسَعُ مَجالًا مِن القَوافِي ـ في أنَّ مَبناهَا على سُكونِ الأعجازِ، كقولِهم: ما أَبْعَدَ ما فاتَ، وما أَقربَ ما هو آتٍ؛ فإنهما لو حُرِّكَا لاختَلَفا. ومِن مَجيءِ ذلك في الشِّعْرِ قولُ امرئِ القَيْسِ: (البحر الطويل)
إذا ذُقْتَ فاهَا قُلْتَ طَعْمُ مُدامَةٍ ... مُعَتَّقَةٍ مِمَّا تَجيءُ به التَّجْرُ
ثم قالَ: (البحر الطويل)
إذا قَامَتَا يَضَّوَّعُ الْمِسْكُ مِنْهُمَا ... برائحةٍ بينَ اللَّطِيمَةِ والْقَطْر
قولُه:"طَعْمُ"يُرْوَى مَرفوعًا بتقديرِ: هذا طَعْمُ، ومنصوبًا بتقديرِ، ذُقْتَ، والتَّجْرُ جَمْعُ تُجَّارٍ، ككَتْبٍ وكُتَّابٍ، وتُجَّارٌ جَمْعُ تَجْرٍ، كصَحْبٍ وصِحابٍ، والتَّجْرُ اسمُ جَمْعِ تاجرٍ عندَ سِيبويهِ، وجَمْعٌ له عندَ أبي الْحَسَنِ، فالتُّجُرُ بضَمَّتَيْنِ عندَه جَمْعُ جَمْعِ الْجَمْعِ، وعندَ سِيبويهِ جَمْعُ جَمْعِ اسمِ الْجَمْعِ، واللَّطيمةُ: الْعِيرُ التي تَحْمِلُ الْمِسْكَ، والقَطْرُ: العُودُ.
المسألةُ الثالثةُ: الألِفُ واللامُ في"النُّصْحِ"خَلَفٌ عن الضميرِ، والأَصْلُ: أو لو أنَّ نُصْحَها على إضافةِ المصدَرِ إلى المفعولِ، ومنه قولُه تعالى: {إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا} أي: واشْتَعَلَ رأسي، وقولُه تعالى: {فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى} أي: مَأواهُ، وقولُ العرَبِ: مَرَرْتُ بالرَّجُلِ الْحَسَنِ الوَجْهُ، برَفعِ الوَجْهِ، أي وَجْهٌ، سواءٌ قُدِّرَ فاعلًا، كما يقولُ الْجُمهورُ، أو بَدَلَ بعضٍ مِن ضميرٍ مُستَتِرٍ في الوَصْفِ، كما يقولُ أبو عَلِيٍّ، ذَكَرَه في قولِه تعالى: {جَنَّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوَابُ} وهو تَكَلُّفٌ خِلافُ الظاهرِ، وليس بِمُتَأَتٍّ في مِثلِ: مَرَرْتُ بالرجُلِ الكريمِ الأبُ، ولا مَخْلَصَ مِن دَعْوَى تقديرِ الضميرِ، أو كونِ"أل"نائبةً عنه؛ لأنَّ الصفةَ كما تَفتَقِرُ إلى ضميرٍ يَرْبِطُها بالموصوفِ، كذلك بَدَلُ البعضِ يَفتَقِرُ إلى ضَميرٍ يَرْبِطُه بالْمُبْدَلِ منه، ونيابةُ"أل"عن الضميرِ قالَ بها الكُوفِيُّونَ وبعضُ البَصريِّينَ، وهو ظاهِرُ مَذهبِ سِيبويهِ، كقولِه في ضَرَبَ زيدٌ الظَّهْرَ والبَطْنَ في مَن رَفَعَ: إنَّ المعنى ظَهْرُه وبَطْنُه. ولم يَقُلْ: الظهرُ منه والبطْنُ منه، كما يَقولُ أَكثرُ البَصريِّينَ، ومِن حُجَّتِهم قولُ طَرَفَةَ: (البحر الطويل) .
رَحيبٌ قِطابٌ الْجَيْبِ منها رَقيقةً ... بِجَسِّ النَّدَامَى بَضَّةُ الْمُتَجَرَّد
فجَمَعَ بينَ"أل"والضميرِ، فدَلَّ على أنها ليستْ عِوَضًا عنه.