والذي يَظْهَرُ أنها الْجِبالُ الْمُفْرِطَةُ البَياضِ، وأنَّ المعنى: ومَلَأَ هذا الأَبْطَحَ مِن ماءِ سَحابةٍ آتِيَةٍ بالليلِ ماءُ جِبالٍ شَديدةِ البَياضِ؛ وذلك لأنَّ ماءَ السَّحابةِ يَتَحَصَّلُ أوَّلًا في الْجِبالِ، ثم يَنْصَبُّ منها عندَ اجتماعِه وكَثرَتِه إلى الأَبْطَحِ، وفي هذا الكلامِ تأكيدٌ لوَصْفِ الماءِ بالْبَرْدِ والصفاءِ.
وجَوَّزَ التِّبريزيُّ أن يكونَ"أَفْرَطَهُ"بمعنى تَرَكَه، أي: تَرَكَ ماءُ الْمَطَرِ في هذا الأَبْطَحِ سَحائبَ بيضٍ. قال: ومِن ثَمَّ سُمِّيَ الغَديرُ غَديرًا؛ لأنَّ الْمَسيلَ غَادَرَه، أي: تَرَكَه. يُقالُ: أَفْرَطْتَ القومَ إذا تَرَكْتَهُم وَراءَكَ، ومنه الحديثُ: (( أَنَا فَرَطُكُم عَلَى الْحَوْضِ ) )وقولُه تعالى: {وَأَنَّهُمْ مُفْرَطُونَ} أي: مُؤَخَّرُونَ. انتهَى.
ويَلزَمُ ما قَدَّمْنَا من أنَّ بعضَ السَّحابِ يُسْتَمَدُّ مِن بعضٍ، وأيضًا فلم يَثْبُتْ مَجيءُ"أَفْرَطَهُ"بمعنى تَرَكَه في مَوْضِعٍ، بل جاءَ بمعنى سَبَقَه، وكلُّ مَن سَبَقْتَه فقد خَلَّفْتَه وَراءَك، وليس هذا مِمَّا نحن فيه، وقد تَقَدَّمَ القولُ في تفسيرِ ذلك مُشْبَعًا.
قالَ:
6 -أَكْرِمْ بها خُلَّةً لو أنها صَدَقَتْ ... مَوعودَها أو لو أنَّ النُّصْحَ مَقبولُ
قولُه:"أَكْرِمْ بها"معناه: ما أَكْرَمَها، ومِثلُه: {أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا} أي: ما أَسْمَعَهُمْ، وما أَبْصَرَهم في ذلك اليومِ.
وقد اخْتُلِفَ في ذلك ونحوِه على ثلاثةِ مَذاهبَ:
أحدُها: أنَّ"أَفْعَلَ"فِعْلٌ صُورتُه الأَمْرُ، ومعناه التَّعَجُّبُ، وأَصْلُه الأَوَّلُ فِعْلٌ ثُلاثيٌّ، ثم حُوِّلَ إلى فِعْلٍ ماضٍ مَزيدٍ فيه , وهو أَفعلُ بمعنى: صارَ كذا، كأَغَدَّ البعيرُ وأَبْقَلَ الْمَكانُ، أي: صارَا ذَوَي غُدَّةٍ وبَقْلٍ، ثم حُوِّلَ هذا إلى صِيغةِ الطَّلَبِ مع بَقاءِ المعنى الْخَبَرِيِّ، وضُمِّنَ مَعْنَى التَّعَجُّبِ، فيَقْبُحُ حِينئذٍ رَفعُه للظاهِرِ؛ لكونِه على صُورةِ فِعلِ الأمْرِ، فزِيدَ في فاعلِه الباءُ، كما زِيدَتْ في فاعِلِ"كَفَى"نحوَ {كَفَى بِاللهِ شَهِيدًا} إلا أنَّ زِيادةَ الباءِ في فاعلِ"كَفَى"غالِبةٌ , لا لازِمَةٌ؛ بدليلِ قولِ سُحَيْمٍ: (البحر الطويل) :
عُمَيْرَةَ وَدِّعْ إن تَجَهَّزْتَ غَادِيًا ... كفى الشَّيْبُ والإسلامُ للمرءِ نَاهِيَا
وعن عُمرَ رَضِيَ اللهُ عنه , أنه قالَ له: لو قَدَّمْتَ الإسلامَ على الشَّيْبِ لأَجَرْتُكَ، وزِيادةُ الباءِ في فاعلِ أفعلَ هذا لازِمَةٌ لإصلاحِ اللفظِ؛ إذ صارَ بسَبَبِها على صُورةِ قولِك في الأَمْرِ الحقيقيِّ: امْرُرْ بزيدٍ، وهذا قولُ جُمهورِ البصْرِيِّينَ.
الْمَذْهَبُ الثاني: أنه أَمْرٌ باعتبارِ الصيغةِ , والمعنى جَميعًا , وأنَّ المأمورَ الْمُخاطَبُ، وأنَّ الفِعْلَ مُتَحَمِّلٌ لضميرِه، وأنَّ ذلك الضميرَ الْتَزَمَ استتارَه في الإفرادِ والتذكيرِ وفُروعِهما؛ لأنه كلامٌ جَرَى مَجْرَى الْمَثَلِ، وأنَّ الْمُتَكَلِّمَ بما أَفْعَلَه مُتَعَجِّبٌ , والمتكلِّمُ بأَفْعِلْ أَمَرَ غيرَه بالتَّعَجُّبِ. قالَه الفَرَّاءُ مِن الكُوفِيِّينَ، والزَّجَّاجُ مِن البَصرِيِّينَ، وابنُ خَروفٍ والزَّمخشريُّ مِن الْمُتَأَخِّرِينَ.
والْمَذْهَبُ الثالثُ: أنه أَمْرٌ كما قالَ هؤلاءِ، ولكنَّ المأمورَ الْمَصْدَرُ الذي دَلَّ عليه الفِعْلُ، فمعنى أَحْسِنْ بزَيْدٍ: أَحْسِنْ يا حُسْنُ بزَيدٍ، أي: دُمْ به والْزَمْهُ، وعلى هذا فلا يَحتاجُ إلى الاعتذارِ عن التزامِ الإفرادِ والتذكيرِ؛ لأنَّ المأمورَ واحدٌ في جَميعِ الصُّوَرِ، وهذا قولُ ابنِ كَيْسَانَ، وتَبِعَه ابنُ الطَّراوةِ ونَقَلَهُ أبو عبدِ اللهِ الفارسيُّ عن الزَّجَّاجِ، ونَقَلَ القولَ الذي قَبلَه عن الكُوفِيِّينَ.
وعلى الْمَذْهَبَيْنِ: فالباءُ باءُ التَّعْدِيَةِ، وهي مُتَعَلِّقَةٌ بالفِعْلِ قَبْلَها، والاسمُ بعدَها في مَوْضِعِ رَفْعٍ.
قولُه:"خُلَّةً"منصوبٌ على التمييزِ، والْخُلَّةُ هنا الصديقةُ، ونَظيرُه قولُ الآخَرِ: (البحر الطويل) .