الصفحة 39 من 118

ألا قَبَّحَ اللهُ الوُشاةَ وقولَهم ... فلانةُ أَضْحَتْ خُلَّةً لفُلان

قالوا: وتُطْلَقُ أيضًا على الصديقِ، وأَنْشَدُوا (البحر المتقارِب) :

ألا أَبْلِغَا خُلَّتِي جَابِرًا ... بأنَّ خَليلَكِ لم يُقْتَلِ

تَخَطَّأَتِ النَّبْلُ أَحشاءَهُ ... فأَخَّرَ دَهْرًا ولم يَعْجَل

ووجهُ الاستدلالِ أنه أَبْدَلَ جابرًا مِن خُلَّتِي، ولك أن تقولَ: لعلَّه على حَذْفِ مُضافٍ، أي: ذا خُلَّتِي، كما هو في قولِه تعالى: {وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ} أي: ولكنَّ ذا الْبِرِّ، والْخُلَّةُ على هذا نفْسُ الصَّداقةِ، مِثلُها في قولِه تعالى: {يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ} وجُمِعَتْ هذه على"خِلالٍ"، كَقُلَّةٍ وقِلالٍ، ومنه {لَا بَيْعَ فِيهِ وَلَا خِلَالَ} .

وقيلَ: بل هو مَصدَرُ"خَالَلْتُهُ"ويُرَجِّحُه إفرادُ ما قَبلَه، والآيةُ التي قِيلَ فيها:"ولا خُلَّةٌ".

ويُرْوَى:"فيالَها خُلَّةٌ".

ويا هذه إمَّا حَرْفُ نِداءٍ، والْمُنَادَى مَحذوفٌ، وإمَّا حَرْفُ تَنبيهٍ بِمَنزِلَةِ"ألا"وعليهما فاللامُ متَعَلِّقَةٌ بفِعلٍ مَحذوفٍ، والتقديرُ فيا قومِ اعْجَبُوا لها خُلَّةً، أو: ألَا اعْجَبُوا لها خُلَّةً.

فإن قلتُ: هلا قَدَّرْتَ الضميرَ مُنَادًى دَخَلَتْ عليه لامُ التَّعَجُّبِ كما في قولِه (البحر الطويل) :

فيا لكَ مِن ليلٍ كأنَّ نُجومَهُ ... بكلِّ مُغارِ الفَتْلِ شُدَّتْ بيَذْبُل

الأصلُ: يا إيَّاكَ، أو يا أنتَ، ثم لَمَّا دَخَلَتْ لامُ الْجَرِّ، انْقَلَبَ الضميرُ الْمُنْفَصِلُ المنصوبُ أو المرفوعُ ضَميرًا مُتَّصِلًا مَخفوضًا؟

قلتُ: مَنَعَ من ذلك أنَّ ضَميرَ الْغَيْبَةِ لا يُنَادَى.

والْمُغارُ بضَمِّ الميمِ وبالْمُعْجَمَةِ مِن قولِهم: أَغَرْتُ الْحَبْلَ: إذا أَحْكَمْتَ فَتْلَه، و"يَذْبُلِ"جَبَلٌ، أي: كأنَّ نُجومَ هذا الليلِ شُدَّت بحِبالٍ مُحْكَمَةِ الفَتْلِ إلى هذا الْجَبَلِ , فهي لا تَسْرِي ولا تَغُورُ.

ويُرْوَى:"يا وَيْحَها خُلَّةً""ووَيْلَهَا خُلَّةً",

وقد مَضَى في صَدْرِ الكتابِ شرْحُ كَلِمَتَي"ويحَ"و"ويلَ"والفرْقُ بينَهما، ونَزيدُ هنا الأصلَ:"وَيْلَ أُمِّهَا"فحُذِفَتْ الهمزةُ لثِقَلِها بذاتِها وبالضَّمَّةِ، وكونِها بعدَ الضَّمَّةِ معَ كَثرةِ الاستعمالِ، ثم حُرِّكَت اللامُ بالكسرةِ؛ لتُنَاسِبَ الكسرةَ بعدَها والياءَ قَبْلَها، وهذا قولُ البَصرِيِّينَ، وقيلَ: بل الأصلُ: وَيْ لأُمِّهَا، وي: بمعنى أَعْجَبُ، ولأُمِّهَا: جارٌّ ومَجرورٌ، ثم حُذِفَت الألِفُ للتخفيفِ، ويُؤَيِّدُ قولَ البَصرِيِّينَ قولُهم: ويلَ أُمِّهَا، ووَيْلَ أمِّه , بضَمِّ اللامِ.

وقولُه:"لو أنها صَدَقَتْ مَوعودَها"فيه أربعُ مَسائلَ:

المسألةُ الأولى: في"لو"وهي مُحْتَمِلَةٌ لوَجهينِ:

أحدُهما: التَّمَنِّي , مِثلُ في: {فَلْو أَنَّ لَنَا كَرَّةً}

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت