ألا قالتْ أُمامةُ يومَ غُولٍ ... تَقَطَّعَ بابنِ غَلفاءَ الْحِبَالُ
ذَرِينِي إنما خَطَئِي وصَوْبِي ... علَيَّ وإنما أهْلَكْتُ مالُ
أي: وإنَّ الذي أَهْلَكْتُه مالِي لا مالُ غَيْرِي، فحَذَفَ ياءَ الإضافةِ مَنْسِيَّةً، فظَهَرَ إعرافُ ما قَبْلَها , قالَه أبو عمرٍو، وخالَفَه بعضُهم وقالَ: إنما أرادَ: أنَّ الذي أَهْلَكْتُه مالٌ لا عِرْضٌ.
والمرادُ في بيتِ كعبٍ المعنى الأَوَّلُ، وهو مُحْتَمَلٌ لأنْ يكونَ مَنقولًا مِن المعنى الثاني أو الثالثِ.
وجَزَمَ عبدُ اللطيفِ بأنَّ"الصَّوْبَ"في البيتِ مَصدَرٌ، وأنَّ الاسمَ الْمَخفوضَ بإضافتِه في مَوْضِعِ رَفْعٍ على الفاعلِيَّةِ، وليس بشيءٍ، بل هو اسمٌ للمَطَرِ، ولا مَحَلَّ للاسمِ بعدَه، بل هو كزيدٍ في غُلامِ زيدٍ.
قولُه:"ساريةٍ"هي السَّحابَةُ تَأْتِي ليلًا، وهي في الأَصْلِ صِفَةٌ، ثم غَلَبَتْ عليها الاسْمِيَّةُ، وفِعْلُها: سَرَتْ تَسْرِي، ومَصْدَرُه السُّرَى، وهو سَيْرُ الليلِ خاصَّةً، والتأويبُ: سَيْرُ النهارِ خاصَّةً , والإِسْئَادُ بِمُهْمَلَتَيْنِ مَصدَرُ أَسْأَدَتِ الإبِلُ: إذا سارَتْ ليلًا ونَهارًا، والْحِجازِيُّونَ يَقولون: أَسْرَى بالألِفِ، وقد اجْتَمَعَت اللغتانِ في قولِ حَسَّانَ: (البحر الكامل)
حَيِّ العَشِيَّةَ رَبَّةَ الْخِدْرِ ... أَسْرَتْ إِلَيَّ ولم تَكُنْ تَسْرِي
الروايةُ بفَتْحِ حَرْفِ الْمُضَارَعَةِ، وقُرِئَ بهما في السبْعِ {فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ} {أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي} واتُّفِقَ على الْحِجازِيَّةِ في {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا} وإنما ذَكَرَ الليلَ مَعَ اختصاصِ الإسراءِ به، ليُشارَ بتَنكيرِه الدالِّ على التقليلِ والتبعيضِ إلى أنه قَطَعَ به عليه الصلاةُ والسلامُ مَسافةَ أربعينَ ليلةً في بعضِ ليلةٍ، ويُؤَيِّدُه قِراءةُ ابنِ مَسعودٍ وحُذَيْفَةَ، رَضِيَ اللهُ عنهما:"مِنَ اللَّيْلِ"وإنما جازَ في هذه القراءةِ تَعَدِّي"أَسْرَى"بِمَنْ مَرَّتَيْنِ؛ لأنَّ الأُولَى تَبعيضِيَّةٌ، والثانيةَ لابتداءِ الغايةِ.
وتَأْتِي السارِيَةُ بِمَعنى الأُسْطُوَانَةِ
ويُرْوَى"غاديةٍ"بَدَلَ"سارِيَةٍ"وهي السَّحابةُ تأتي بالغَداةِ، وهي أيضًا مِن الصفاتِ الغالِبَةِ عليها الاسْمِيَّةُ، وفِعْلُها: غَدَتْ تَغْدُو.
وقولُه:"بِيضٌ". فاعلٌ بأَفْرَطَهُ، وهو جَمْعُ أبيضَ أو بَيضاءَ على ما يأتي في تَفسيرِ الْمُرادِ به، وعليهما فأَصْلُه فُعلٌ بضَمِّ الفاءِ، ثم كُسِرَتْ لتَسْلَمَ الياءُ مِن الانقلابِ.
وأمَّا قولُه:"يَعالِيلُ"صِفةٌ لبِيضٌ , ووَزْنُه"يَفَاعِيلُ"؛ لأنه من الْعَلَلِ وهو الشُّرْبُ الثاني، ومُفْرَدُه"يَعلولٌ"قالوا: ثوبٌ يَعلولٌ: إذا عُلَّ بالصِّبْغِ، أي: أُعيدَ عليه مَرَّةً بعدَ أُخْرَى.
واختُلِفَ بالْمُرادِ بالبِيضِ اليَعاليلِ:
فقالَ أبو السَّمْحِ: الْجِبَالُ الْمُرْتَفِعَةُ. والاشتقاقُ لا يُساعِدُه على تفسيرِ اليَعاليلِ بالْمُرْتَفِعَةِ.
وقالَ أبو عَمْرٍو: البِيضُ: السَّحابُ، واليَعاليلُ: التي تَجيءُ مَرَّةً بعدَ أُخْرَى، ولا وَاحِدَ لها كالأبابيلِ، وتابَعَه على تَفسيرِ البِيضِ بالسَّحابِ التِّبْرِيزيُّ، وعبدُ اللطيفِ، وابنُ الأنباريِّ. وغيرُهم، وهو مَردودٌ؛ لاقتضائِه أنَّ السَّحابةَ السارِيَةَ أَمَدَّت السَّحَائِبَ البِيضَ التي مَلَأَت الأَبْطَحَ، وليس هذا مُرادَ الْمُتَكَلِّمِ، ولا هو الواقِعَ.
وقيلَ: هي الغَدَوَاتُ. وهو بَعيدٌ؛ لأنها ليس في العُرْفِ أنها تُوصَفُ بالبَياضِ , ولا أنها تَمُدُّ الأَبَاطِحَ.