الصفحة 8 من 20

و"قَدْ سِيطَ مِن دَمِهَا". صِفَةُ"خُلَّةً", وَسِيطَ: خُلِطَ، يُقَالُ: سَاطَ الشَّيْءَ يَسُوطُهُ سَوْطًا إِذَا خَلَطَهُ، بِهِ سُمِّيَ السَّوْطُ؛ لأَنَّهُ يَسُوطُ اللَّحْمَ بالدَّمِ, أي: يَخْلِطُهُ. يَقُولُ: إِنَّ هَذِهِ الأخلاقَ قَدْ خُلِطَتْ بدَمِهَا ورَسَخَتْ فِيهَا، فصَارَتْ لَهَا سَجِيَّةً لا تَقْبَلُ الزَّوَالَ والانْتِقَالَ.

والفَجْعُ: مَصْدَرٌ, فَجَعَتْهُ المُصِيبَةُ إِذَا أَوْجَعَتْهُ. والتَّفَجُّعُ كالتَّوَجُّعِ، يُرِيدُ أَنَّهَا تَفْجَعُ مُحِبَّهَا بِمَا يَكْرَهُ. والوَلْعُ: الكَذِبُ. يُقَالُ: وَلِعَ وَالِعٌ, كَمَا يُقَالُ: عَجِبَ عَاجِبٌ، وَقَدْ وَلَعَ بالفَتْحِ وَلْعًا بالسُّكُونِ ووَلَعَانًا إِذَا كَذِبَ. قَالَ الشَّاعِرُ:"وَهُنَّ مِنَ الإِخْلافِ وَالوَلَعَانِ".

أي: مِنْ أَهْلِ الإِخْلافِ أو خُلِقْنَ مِنْهُ. الوَالِعُ: الكَذَّابُ، والجَمْعُ وَلَعَةٌ. والوُلُوعُ بالشَّيْءِ: الإِغْرَاءُ بِهِ. يُرِيدُ أَنَّها قَدْ طُبِعَتْ عَلَى أَذَاهُ بفِعْلِهَا، والكَذِبِ في قَوْلِهَا، والإِخْلافِ فِي وَعْدِهَا، وأَنْ تُبْدِلَ بِهِ غَيْرَهُ، أو تُبَدِّلُ عليهِ أَحْوَالَها.

فَمَا تَدُومُ عَلَى حَالٍ تَكُونُ بِهَا ... كَمَا تَلَوَّنُ فِي أَثْوَابِهَا الغُولُ

أَخَذَ يَشْرَحُ الإِخْلافَ والتَّبْدِيلَ بكَثْرَةِ تَلَوُّنِهَا، ومَثَّلَهَا في كَثْرَةِ تَلَوُّنِهَا بالغُوْلِ. والغُولُ مِن السَّعَالِي, وهِيَ إِنَاثُ الشَّيَاطِينِ فِي زَعْمِ العَرَبِ، وهِيَ تَتَرَاءَى لَهُم في اللَّيْلِ والمَفَاوِزِ الخَالِيَةِ، وتَظْهَرُ في صُوَرٍ مُخْتَلِفةٍ، وألوانٍ هَائِلَةٍ مَخُوفَةٍ. وأَصْلُه الهَلاكُ, يُقَالُ: غَالَهُ الشَّيْءُ واغْتَالَهُ. إِذَا أَخَذَهُ مِن حَيْثُ لا يَدْرِي.

وقِيلَ: سُمِّيَتْ الغُولُ غُولًا؛ لِتَلَوُّنِهَا, يُقَالُ: تَغَوَّلَتْ عَلَيَّ البِلادُ. إِذَا اخْتَلَفَتْ. و"تَكُونُ بِهَا"صِفَةُ"حَالٍ"، والحَالُ تُذَكَّرُ وتُؤَنَّثُ. و"كَمَا"صِفَةُ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ قَدْ دَلَّ عَلَيْهِ نَفْيُ الدَّوامِ"عَلَى حَالٍ"، كأَنَّهُ قَالَ: تَتَلَوَّنُ كَمَا تَتَلَوَّنُ الغُولُ فِي أَثْوَابِهَا. وَ"مَا"مَصْدَرِيَّةٌ، وهِيَ حَرْفٌ عَلَى الأَصَحِّ.

كَانَتْ مَوَاعِيدُ عُرْقُوبٍ لَهَا مَثَلًا ... وَمَا مَوَاعِيدُهَا إِلاَّ الأَبَاطِيلُ

"مَوَاعِيدُ عُرْقُوبٍ". مَثَلٌ يُضْرَبُ لشِدَّةِ اخْتِلافِ الوَعْدِ بَعْدَ طُولِ المَطْلِ. ويُقَالُ: إِنَّ عُرْقُوبًا كَانَ رَجُلًا مِن العَمَالِقَةِ، وكَانَ لَهُ نَخْلَةٌ، فوَعَدَ رَجُلًا أَنْ يُطْعِمَهُ مِن بُسْرِهَا، فَلَمَّا أَبْسَرَتْ قَالَ: حِينَ تَرْطُبُ، ثُمَّ قَالَ: حَتَّى تُتْمِرَ، ثُمَّ صَرَمَهَا لَيْلًا؛ فضُرِبَ بهِ المَثَلُ لكُلِّ مَن أَخْلَفَ الوَعْدَ بعدَ طُولِ المَطْلِ. والأَبَاطِيلُ: جَمْعُ بَاطِلٍ عَلَى غَيْرِ قِياسٍ، وكأَنَّهُ جَمْعُ أَبْطِيلٍ وإِبْطَالٍ.

فَلا يَغُرَّنْكَ مَا مَنَّتْ وَمَا وَعَدَتْ ... إِنَّ الأَمَانِيَّ والأَحْلامَ تَضْلِيلُ

نَهَاهُ أَنْ يَغْتَرَّ بوَعْدِهَا، ووَكَّدَهُ بالنُّونِ الخَفِيفَةِ. وَ"مَا"فَاعِلَةٌ، وهِيَ مَوْصُولَةٌ، ويَجْوزُ أَنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً. و"مَنَّتْ"مِن مَنَّنْتُهُ تَمْنِيَةً، يُقَالُ: تَمَنَّيْتُ الشَّيْءَ إِذَا أَمَرْتَ كَوْنَهُ، ومَنَّيْتُ غَيْرِي إِذَا أَشْهَيْتَهُ، والاسْمُ: الأُمْنِيَةُ، والجَمْعُ الأَمَانِيُّ، مِثْلَ وأَصْلُ الكَلِمَةِ مِن المَنَى وهو القَدَرُ، كأَنَّهُ يَشْتَهِي أَنْ يُقَدَّرَ ذَلِكَ. وكَثِيرًا مَا يَتَمَنَّى الإنسانُ المُحَالَ، ومَا لَيْسَ بمُمْكِنٍ، ويَحْتَلِمُ فِي النَّوْمِ بمِثْلِه؛ فَلِذَلِكَ كَانَ تَضْلِيلًا؛ لأَنَّهُمَا يُضَلِّلانِ المَرْءَ.

"تَضْلِيلُ"تَفْعِيلٌ مِنَ الضَّلالِ. و"الأَحْلامَ": جَمْعُ حُلْمٍ, [وَهُوَ مَا يَرَاهُ النَّائِمُ] في النَّوْمِ وهو في المَصَادِرِ التي جَاءَتْ مَجْمُوعَةً, و"الأَحْلامَ": المَنَامَاتُ التي لا تَأْوِيلَ لَهَا."ولا يَغُرَّنْكَ": نَهْيٌ لنَفْسِه، وخِطَابٌ لَهَا.

وَمَا تَمَسَّكُ بالعَهْدِ الَّذِي وَعَدَتْ ... إِلاَّ كَمَا تُمْسِكُ المَاءَ الغَرَابِيلُ

أَرْجُو وآمُلُ أَنْ يَعْجَلْنَ فِي أَبَدٍ ... وَمَا لَهُنَّ طَوَالَ الدَّهْرِ تَعْجِيلُ

هو تَفْعِيلٌ مِنَ العَجَلَةِ. وأَخْرَجَ الوَعْدَ مُخْرَجَ الزَّعْمِ, [وهو] كَمَا قِيلَ مَطِيَّةُ الكَذِبِ. وإِلاَّ مُفَرَّغَةٌ."وَكَمَا"صِفَةُ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ. وَلا تَتَمَسَّكُ بقَوْلِهَا كَمَا لا يُمْسِكُ الغِرْبَالُ المَاءَ. وهَذَا كُلُّه تَوْكِيدٌ فِي إِخْلافِهَا وتَبْدِيلِهَا الأَقْوَالَ. ويُرْوَى:"ولا تَمَسَّكُ [بالعَهْدِ الَّذِي زَعَمَتْ] . وَقَدْ جَاءَ:"وَلَيْسَ لمَخْضُوبِ البَنَانِ يَمِينُ"."

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت