أَمْسَتْ سُعَادُ بأَرْضٍ لا يُبَلِّغُهَا ... إِلاَّ العِتَاقُ النَّجِيبَاتُ المَرَاسِيلُ
يُرِيدُ أَنَّهَا ظَعَنَتْ غُدْوَةً، وأَمْسَتْ بأَرْضٍ بَعِيدَةٍ لا يُبَلِّغُها إِلاَّ نَاقَةٌ قَوِيَّةٌ سَرِيعَةٌ. و"العِتَاقُ": خِيَارُ الإِبِلِ. وَوَجْهٌ عَتِيقٌ: كَرِيمٌ حَسَنٌ كأَنَّهُ عُتِقَ مِن العُيُوبِ ونَجَا مِنْهَا. وعَتَقَ العَبْدَ: نَجَّاهُ مِن الرِّقِّ. والنَّجَائِبُ: خِيَارُ الإِبِلِ، وَاحِدُهَا نَجِيبَةٌ. والمَرَاسِيلُ: المُسْرِعَاتُ المُتَقَدِّمَاتُ كأَنَّهَا تُرْسِلُ الشَّيْءَ إِرْسَالًا فَلا تُوقَفُ، وَاحِدُهَا مِرْسَالٌ.
وَلَنْ يُبَلِّغَهَا إِلاَّ عُذَافِرَةٌ ... فِيهَا عَلَى الأَيْنِ إِرْقَالٌ وتَبْغِيلُ
العُذَافِرَةُ: [النَّاقَةُ] الصَّلْبَةُ القَوِيَّةُ عَلَى السَّيْرِ. والأَيْنُ: الفُتُورُ والتَّعَبُ. والإِرْقَالُ: العَدْوُ. والتَّبْغِيلُ: السَّيْرُ الحَادُّ المُتَتَابِعُ، وقِيلَ: التَّبْغِيلُ سَيْرٌ فِيهِ اخْتِلافٌ بَيْنَ العَنَقِ والهَمْلَجَةِ, يُشْبِهُ سَيْرَ البِغَالِ. ويُقَالُ: سُمِّيَ البَغْلُ بَغْلًا؛ لقُوَّةِ خَلْقِه. ويَعْنِي فِيمَا سَيَأْتِي: لَنْ يُبَلِّغَهَا إِلاَّ نَاقَةٌ شَدِيدَةٌ، إِذَا تَعِبَتِ الإِبِلُ كَانَ فِيهَا سُرْعَةٌ وقُوَّةٌ، يُؤَكِّدُ بذَلِكَ بُعْدَ المَسَافَةِ.
مِنْ كُلِّ نَضَّاخَةِ الذِّفْرَى إِذَا عَرِقَتْ ... عَارِضُها طَامِسُ الأَعْلامِ مَجْهُولُ
الذِّفْرَى: الثَّانِيَةُ فِي أَصْلِ الأُذُنِ، وهَذَا المَكَانُ أَوَّلُ مَا يَعْرَقُ مِن البَعِيرِ والنَّاقَةِ. يُرِيدُ أَنَّ هَذَا المَوْضِعَ نَضَخَ بالعَرَقِ، والنَّضْخُ أَكْثَرُ مِن النَّضْحِ. و"طَامِسُ الأَعْلامِ": أي: دَارِسُ العَلامَاتِ التي يَسْتَعْلِمُ بِهَا الدَّلِيلُ؛ وذَلِكَ لقِلَّةِ سَالِكِهَا لبُعْدِهَا ووَعْرَةِ مَسَالِكِهَا. والأَعْلامُ: جَمْعُ عَلَمٍ, وهِيَ الأَعْلامُ الَّتِي تُعْرَفُ مِنْهَا الجوادُ=. وعَارِضُها: أي مَطْلُوبُها الذي يَعْرِضُ لَهَا, أي ويُرْوَى: عُرْضَتُهَا أي: هِمَّتُهَا دَارِسُ الآثَارِ."ومِن كُلِّ"هي"مِن"التي للتَّبْعِيضِ، ويَجُوزُ أَنْ تَكُونَ لبيانِ الجِنْسِ، أي: التي هِيَ كُلُّ نَاقَةٍ نَضَّاخَةِ الذِّفْرَى, [ونَضَّاخَةُ] الذِّفْرَى في مَوْضِعِ الرَّفْعِ [صِفَةً لمَوْصُوفٍ مَحْذُوفٍ, أي: نَاقَةٌ نَضَّاخَةُ الذَّفْرَى] .
"وعَارِضُها طَامِسُ الأَعْلامِ"جُمْلَةٌ اسْمِيَّةٌ, وَهِيَ جَوَابُ"إِذَا"، أي: إِذَا عَرِقَتْ بعَارِضِهَا، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ"عَارِضُهَا طَامِسُ"جُمْلَةً فِي مَوْضِعِ الخَفْضِ صِفَةً لـ"نَضَّاخَةِ", و"الأَعْلامُ"فِي مَوْضِعِ الرَّفْعِ؛ لأنَّهُ فَاعِلٌ لـ"طَامِسُ".
و"مَجْهُولُ"صِفَةٌ لـ"طَامِسُ"، والجَمِيعُ صِفَةٌ لـ"نَضَّاخَةِ". ونَضَّاخَةٌ مِن أَبْنِيَةِ التَّكْثِيرِ، أي: ذَلِكَ سَجِيَّتُهَا.
والمَعْنَى: أَنَّ هَذِهِ النَّاقَةَ تَقْطَعُ مَكَانًا طُمِسَتْ مَعَالِمُهُ ودَرَسَتْ رُسُومُهُ.
تَرْمِي الغُيوبَ بِعَيْنَيْ مُفْرَدٍ لَهَِقٍ ... إِذَا تَوقَّدَتِ الحُزَّانُ والمِيلُ
أَخَذَ يَبْسُطَ عَجُزَ البَيْتِ المَاضِي. تَرْمِي هَذِهِ النَّاقَةُ مَا غَابَ عَنْ عَيْنِهَا، و"الغُيُوبَ": جَمْعُ غَيْبٍ وهو مَا غَابَ عَنْ عَيْنِكَ. يَقُولُ: هِيَ هِمَّتُها وبُعْدُ غَايَتِهَا, كُلَّمَا بَدَا لَهَا عَلَمٌ طَمَحَتْ إِلَى أَبْعَدَ مِنْهُ. يُقَالُ: رَمَيْتُه ببَصَرِي وحَدَجْتُه بعَيْنِي علَى الاسْتِعَارَةِ إِذَا إليه البَصَر.
وقَوْلُه: بعَيْنَيْ مُفْرَدٍ [لَهِقٍ] . أي: بعَيْنَيْ ثَوْرٍ وَحْشِيٍّ أَبْيَضَ، وأَصْلُه أَنَّه أُفْرِدَ عنِ الأَثَرِ، فهو وَحْدَه مَذْعُورٌ يتَوَجَّسُ كُلَّ نَبْأَةٍ، وإِذَا كَانَ مُفْرَدًا كَانَ أَحَدَّ لقَلْبِهِ وأَشَدَّ لنَشَاطِهِ. واللَّهَقُ: الأَبْيَضُ، وكَذَلِكَ اللَّهَاقُ واللَّهَقُ مِنْهُ. يُقَالُ: لَهَقَ الشَّيْءُ لَهَقًا إِذَا ابْيَضَّ، ولَهِقَ أيضًا بالكَسْرِ لَهَقًا فهو لَهِقٌ ولَهَقٌ, إِذَا كَانَ شَدِيدَ البَيَاضِ، شَبَّهَ نَاقَتَهُ بثَوْرٍ أَبْيَضَ فِي نَشَاطِهِ وقُوَّتِه ولَوْنِه في أخلقِ الأَوْقَاتِ بإِعْيَاءِ الإِبِلِ وكَلالِهَا وفُتُورِهَا وذَلِكَ وَقْتَ الهَاجِرَةِ.
"إِذَا تَوَقَّدَتِ الحُزَّانُ والمِيلُ". والحُزَّانُ: جَمْعُ حَزْنٍ, وهو المَكَانُ الصَّلْبُ الغَلِيظُ ذُو الحِجَارَةِ.
والمِيلُ: جَمْعُ أَمْيَلَ أَوْ مَيْلاءَ، يُرِيدُ أَمَاكِنُه تَتَوَقَّدُ بِحَرِّ الظَّهِيرَةِ، وأنَّ نَاقَتَهُ قَوِيَّةٌ فِي ذَلِكَ الوَقْتِ، حَادَّةُ النَّظَرِ عِنْدَما تَسْدُرُ عُيُونُ الإِبِلِ.
ضَخْمٌ مُقَلَّدُهَا عَبْلٌ مُقَيَّدُهَا ... في خَلْقِهَا عَنْ بَنَاتِ الفَحْلِ تَفْضِيلُ
"ضَخْمٌ": صِفَةُ"عُذَافِرَةٌ". ومُقَلَّدُهَا رُفِعَ بـ"ضَخْمٌ"عَلَى الصِّفَةِ المُشَبَّهَةِ، كمَا يُقَالُ: رَجُلٌ كَرِيمٌ أَبُوه. و"مُقَلَّدُهَا": مَوْضِعُ