وأَمَّا النَّسِيبُ فَلَهُ أَنْ يَسْتَعْمِلَ فِيهِ الحُوشِيَّ والغَرِيبَ, والتَّعْرِيضَ والحَذْفَ, والإِضْمَارَ والأَمْثَالَ؛ والأَفْضَلُ أَنْ يَنْسِبَ مِن جِنْسِ الغَرَضِ، ويَخْتِمَ مِن جِنْسِ النَّسِيبِ، ليَتَعَطَّفَ آخِرُ القَصِيدَةِ عَلَى أَوَّلِهَا، وتَتَآخَى أجْزَاؤُهَا, وتَتَسَمَّطَ أَفْرَادُهَا، وتَصِيرَ لكَثْرَتِهَا وَحْدَةً بِهَا تُسَمَّى كَلِمَةً.
فَابْتَدَأَ كَعْبٌ نَسِيبَ قَصِيدَتِهِ بذِكْرِ البُعَادِ مِن سُعَادَ ووَجْدِه لذَلِكَ، ثُمَّ وصَفَها وَشَبَّبَ بِهَا جُمْلَةً، ووَصَفَ مَبْسَمَهَا, وهو أَشْهَى مَا فِي المَرْأَةِ, وأَحْلَى مَنْظرًا وأَلَذُّ مَطْعَمًا, ثُمَّ شَبَّهَ رِيقَهَا بِخَمْرٍِ مَمْزُوجَةٍ، وأَخَذَ يَصِفُ المَاءَ، وَعَادَ إِلَيْهَا فوَصَفَها بإِخْلافِ الوَعْدِ، والتَّلَوُّنِ في القَوْلِ والوُدِّ، وضَرَبَ لذَلِكَ مَثَلًا بعُرْقُوبٍ، وجَعَلَ يَزْجُرُ النَّفْسَ عن الرُّكُونِ إِلَى مَوْعِدِهَا، ويَضْرِبُ بإِخْلافِهَا مَثَلًا بالغَرَابِيلِ. وذَكَرَ مَثْوَاهَا، وأَنَّهُ إِنَّمَا يُوصِّلُه إِلَيْهَا نَاقَةٌ شَدِيدَةُ السَّيْرِ، وجَعَلَ يَصِفُ النَّاقَةَ وأَطَالَ أَكْثَرَ مِمَّا أَطَالَ في وَصْفِ سُعَادَ؛ إِجْلالًا لِمَجْلِسِ النُّبُوَّةِ, فَاخْتَصَرَ في وَصْفِ المَرْأَةِ، وأَطَالَ في وَصْفِ النَّاقَةِ؛ لأَنَّ هذا أَشْبَهُ بالجِدِّ، وأَبْعَدُ عَنْ الهَزْلِ، وأَدَلُّ علَى الحِذْقِ، وأَحْوَطُ عَلَى نَفْسِهِ أَنْ يَزِلَّ بِمَا يَخْرُجُ بِهِ عَنِ السُّنَّةِ، ويَدْخُلُ عَلَيْهِ بسَبَبِهِ اللائِمَةُ.
ثُمَّ أَخَذَ في تَوْطِئَةٍ شَرِيفَةٍ لَطِيفَةٍ, أَوَّلُها قَوْلُه:"تَسْعَى الوُشَاةُ بِجَنْبَيْهَا". فذَكَرَ أَنَّهُ قَدْ حُذِّرَ مِن القَتْلِ، وتَبَرَّأَ مِنْهُ كُلُّ صَدِيقٍ، وَلَمْ يَجِدْ مُلْتَجَأً ولا مُؤَازِرًا، وأَنَّهُ قَدِ اسْتَسْلَمَ إِيمَانًا بالقَدَرِ، واعْتِرَافًا بأنَّ مَتَاعَ الدُّنْيا قَلِيلٌ، والمَوْتَ مَآلُ كُلِّ حَيٍّ، وإليه يَؤُولُ المَعْفُو عَنْهُ، والمُسْخَطُ عَلَيْهِ، والمُهَرَاقُ دَمُهُ، والمُعْتَبَطُ، والمُنْسَأُ، والمُؤَجَّلُ، والمُعْتَصِمُ بكُلِّ مَدْرَأٍ، والمُتَعَرِّضُ لكُلِّ حَتْفٍ, والنَّاسُ سَواءٌ فِي النَّقْلَةِ عَنِ الدُّنْيَا, ولكُلِّ حَيٍّ مُنْتَهى.
ثُمَّ خَرَجَ عَنِ الغَرَضِ بطَلَبِ العَفْوِ وذَلِكَ في قَوْلِه: والعَفْوُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ مَبْذُولُ ثُمَّ اسْتَرْفَقَهُ وسَأَلَهُ الرِّفْقَ بقَوْلِه:"مَهْلًا". وأَلْطَفَ في الخِطَابِ بقَوْلِه:"هَدَاكَ الَّذِي أَعْطَاكَ". ثُمَّ أَخَذَ يَعْتَذِرُ ليُمَحِّصَ ذُنُوبَه، ويَذْكُرُ شِدَّةَ خَوْفِه، وهَيْبَةَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عليهِ وسَلَّمَ، وأَنَّهُ لا يَحْصُلُ لَهُ أَمْنٌ إِلاَّ مِن جِهَتِه، وأَنَّ هَيْبَتَهُ أَشَدُّ مِن هَيْبَةِ الأَسَدِ، وجَعَلَ يَصِفُ الأَسَدَ, ثُمَّ خَرَجَ إِلَى ذِكْرِ مَحَاسِنِه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ، ثُمَّ إِلَى مَدْحِ أَصْحَابِهِ، ثُمَّ قُرَيشٍ، ووَصَفَ بسَالَتَهُم، فَلَمَّا اسْتَعْطَفَ النَّبِيَّ - عَلَيْهِ السَّلامُ - اسْتَعْطَفَ صَحَابَتَهُ، وخَتَمَ عَلَى ذَلِكَ.
وهَذِهِ القَصِيدَةُ مِن البَحْرِ المُلَقَّبِ بالبَسِيطِ، مِن العَرُوضِ الأُولَى مِنْهُ، مِن الضَّرْبِ الثَّانِي منها. فعَرُوضُهُ مَخْبُونَةٌ، وضَرْبُهَا مَقْطُوعٌ، والبَيْتُ الأَوَّلُ مُتَصَرِّعٌ. والتَّصْرِيعُ: تَغْيِيرُ العَرُوضِ للضَّرْبِ إِيذَانًا برَوِيِّ القَصِيدَةِ وضَرْبِهَا.
ورُبَّما صَرَّعَ الشَّاعِرُ في القَصِيدَةِ بَعْدَ البَيْتِ الأَوَّلِ بَيْتًا أو بَيْتَيْنِ، وذَلِكَ مُشْعِرٌ بغَزَارَةِ مَادَّتِه، وسَعَةِ بلاغَتِه.
وقَافِيَتُهَا مِن المُطْلَقِ المُجَرَّدِ المُتَوَاتِرِ, وهَذَا أَخَصُّ مَا يُفَارِقُ فِيهِ النَّظْمُ النَّثْرَ، ويُبَايِنُ بِهِ القُرْآنُ الشِّعْرَ، علَى مَا كَشَفْنَا فِي ذَلِكَ في كِتَابِنَا (تَكْمِلَةُ الصِّنَاعَةِ) مِمَّا لَمْ نَجِدْهُ لأَحَدٍ مِن المُتَقَدِّمِينَ.
وأَمَّا سَبَبُ قَوْلِ هَذِهِ القَصِيدَةِ - وَقَدْ رُوِّيناهُ مَرْفُوعًا عَنْ سَعِيدِ بنِ المُسَيِّبِ, عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بنِ كَعْبٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: خَرَجَ كَعْبٌ وبُجَيْرٌ ابْنَا زُهَيْرِ بنِ أَبِي سُلْمَى إلى أَبْرَقِ العزَّافِ.
فَقَال بُجَيْرٌ لكَعْبٍ: اثْبُتْ لِي فِي الغَنَمِ، حَتَّى آتِيَ هَذَا الرَّجُلَ - يَعْنِي النَّبِيَّ عَلَيْهِ السَّلامُ - فأَسْمَعَ كَلامَهُ، وأَعْرِفَ مَا عِنْدَهُ، فأَقَامَ كَعْبٌ، ومَضَى بُجَيْرٌ. فعَرَضَ عَلَيْهِ النَّبِيُّ - عليهِ السلامُ - الإِسْلامَ فأَسْلَمَ، واتَّصَلَ إِسْلامُهُ بأَخِيهِ كَعْبٍ، فَقَالَ:
أَلاَ بَلِّغَا عَنِّي بُجَيْرًا رِسَالَةً ... فَهَلْ لَكَ فِيمَا قُلْتُ وَيْحَكَ هَلْ لَكَا
سَقَاكَ بِهَا المَأْمُونُ كَأْسًا رَوِيَّةً ... وأَنْهَلَكَ المَأْمُونُ مِنْهَا وعَلَّكَا
وفَارَقْتَ أَسْبَابَ الهُدَى واتَّبَعْتَهُ ... عَلَى أيِّ شَيْءٍ وَيْبَ غَيْرِكَ دَلَّكَا