نُفُوسِ السَّامِعِينَ، وشَرْكِ قُلُوبِهِم، وعَقْلِهِ مُسْتَوْفِزَهُم، وتَعْدِيلِ أَخْلاقِهِم بسَمَاعِ مَا يُلْهِي، ويُلَيِّنُ، ويُحَرِّكُ، ويُطْرِبُ، ويَبْسُطُ القُوَّةَ الشَّهَوِيَّةَ، ويَكْسِرُ سَوْرَةَ الغَضَبِيَّةِ، فعِنْدَ ذَلِكَ يَفِلُّ العَقْلُ مِن أَسْرِ الشَّهْوَةِ والغَضَبِ، وتَجْتَلِي بَسُوسُه، وتَؤُوبُ إليه سَجَايَاهُ، وتَتَمَكَّنُ مِن إِنْفَاذِ أَوَامِرِه وبَسْطِ قُوَاهُ، فيَمِيلُ إِلَى العَفْوِ، ويَسْمَحُ بالصُّلْحِ، ويَكْرَهُ بالانْتِقَامِ، ويَهْتَزُّ لمَكَارِمِ الأَخْلاقِ، ويَرْتَاحُ إِلَى كَرَمِ السَّجَايَا، وحَمِيدِ الشَّمَائِلِ.
فإِذَا خَبَتْ نَارُ الغَضَبِ، وانْقَمَعَ جَيْشُه، قَوِيَ الفِعْلُ عَلَى إِظْهَارِ مَحَاسِنِه، وبُروزِ وَشْيِهِ وفَضَائِلِه، ونَشْرِ بَهَائِهِ وبَهْجَتِه؛ لأَنَّهُ لَمَّا سُلِّطَ الخِنْزِيرُ عَلَى الأَسَدِ، اسْتَعْلَى عَنْهُما فَجَلا مُنْفَرِدًا بسوسِ جمالِهِ وبَهَائِه، لا تَغُضُّ مِنْهُ نَقِيصَةُ أَحَدِهِمَا، وبُروزُ فِعْلِه مُحَصَّلًًا، لا يَهُمُّه شَيْنُهُمَا، ولا يَخْدَعُهُ مَيْنُهُمَا. فهَذِهِ هِيَ الحِكْمَةُ فِي افْتِتاحِ القَصِيدَةِ بالنَّسِيبِ.
وأمَّا الخَاتِمَةُ: فبمَنْزِلَةِ التَّوْدِيعِ وتَوْكِيدِ مَا سَبَقَ, والتَّوْطِئَةُ تَتَنَزَّلُ مَنْزِلَةَ البَرَاهِينِ في العُلومِ, وكَثِيرًا ما يَشْكُلُ علَى النَّاسِ الفَرْقُ بَيْنَ النَّسِيبِ والغَزَلِ، وَقَدْ فَرَّقْنَا بَيْنَهُما وبَسَطْنَا القَوْلَ فِيهِ في كِتَابِنَا المَوْسومِ"بتَكْمِلَةِ الصِّنَاعَةِ في الشَّرْحِ"نَقْدُ الشِّعْرِ لقُدَامَةَ"لكنَّا نَعْرِضُ لَكَ بُذُورًا منه لتَفْتُرَ دَاعِيَةُ التَّطَلُّعِ، ويَغُضَّ مِن طُمُوحِ النَّفْسِ."
فالغَزَلُ: هو الأَفْعَالُ، والأَقْوالُ، والأَحْوَالُ الجَارِيَةُ بَيْنَ المُحِبِّ والمَحْبُوبِ. أَمَّا النَّسِيبُ: فهو ذِكْرُ الشَّاعِرِ خَلْقَ النِّسَاءِ وأَخْلاقَهُنَّ، وتَصْرِيفَ أَحْوالِ الهَوَى بالمَعْنَى.
والنَّسِيبُ مُرَكَّبٌ مِن ثَلاثِ مَعَانٍ. أَحَدُهَا: ذِكْرُ حَالِ المَرْأَةِ فِي نَفْسِهَا؛ مِن خَلْقٍ وخُلُقٍ, ومَلالٍ وإِلْفٍ، وقُرْبٍ وبُعْدٍ.
والثاني: حَالُ النَّاسِبِ بِهَا، مِن وَلَهِهِ وتَعَبُّدِه وتَتَيُّمِه. والثالثُ: الأحوالُ الدَّائِرَةُ بَيْنَهُما مِن هَجْرٍ ووَصْلٍ, وإِخْلاصٍ وصِدْقٍ, وقَطِيعَةٍ وتَطَلُّعٍ, وإِعْرَاضٍ وتَمَلُّقٍ, ووَفَاءٍ وإِخْلافٍ, وشَكْوَى واعْتِذَارٍ, وعَتْبٍ وإِعْتَابٍ, وإِنْكَارٍ واعْتِرَافٍ, وتَعْرِيضٍ وتَعَرُّضٍ, وتَصْرِيحٍ وتَجَمُّعٍ، ومَا اتَّصَلَ بذَلِكَ وانْجَرَّ مَعَه مِن مُحَادَثَاتٍ ومَرَاسِيلَ, وغَمْزٍ وإِيمَاضٍ وإِشَارَةٍ, وإِفْسَادِ الوُشَاةِ وتَكْدِيرِ الرُّقَبَاءِ, وغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يَجْرِي بَيْنَ ذَوِي العَلاقَاتِ.
فالنَّسِيبُ جُزْءُ قَصِيدَةٍ كَمَا قُلْنَا ولأَجْلِ غَيْرِه، ولذَلِكَ لا يَحْسُنُ الاقْتِصَارُ عَلَيْهِ في التَّقْصِيدِ، ولا أَنْ يُجْعَلَ أَكْثَرَ القَصِيدِ، بَلِ افْتِتَاحَهَا وأَقَلَّهَا، ثُمَّ يَخْرُجُ إِلَى الغَرَضِ بسُرْعَةٍ.
وأَمَّا التَّشْبِيبُ: فهو الإِشَادَةُ بذِكْرِ المَحْبُوبِ، والإِعْلانُ بصِفَاتِه، والتَّصْرِيحُ بمَحَاسِنِه. فالنَّسِيبُ ذِكْرُ الغَزَلِ، والتَّشْبِيبُ تَابِعٌ للنَّسِيبِ ولازِمٌ عَنْهُ. والغَزَلُ رُبَّمَا كَانَ مِن غَيْرِ شَاعِرٍ؛ لأَنَّهُ التَّصَابِي والاسْتِهْتَارُ بمَوَدَّاتِ النِّسَاءِ. يُقالُ: فُلانٌ غَزِلٌ: إِذَا كَانَ مُتَشَكِّلًا بالصُّورَةِ.
وقَدْ يُطْلَقُ الغَزَلُ عَلَى الاسْتِعْدَادِ بهذهِ الحَالِ، والتَّخَلُّقِ بهذهِ الخَلِيقَةِ. ويُطْلَقُ علَى الانْفِعَالِ عَنْ هَذِهِ الحَالِ، كَمَا يُقَالُ: الغَضْبَانُ, عَلَى المُسْتَعِدِّ للغَضَبِ، وعَلَى مَنِ انْفَعَلَ عَنْهُ، وخَرَجَ بِهِ إِلَى الفِعْلِ.
قَالَ أَصْحَابُ اللُّغَةِ: المُغَازَلَةُ مُحَادَثَةُ النِّسَاءِ ومُرَاوَدَتُهُنَّ. يُقَالُ: غَازَلَتْهُ وغَزِلَ لَهَا, مِثْلَ حَادَثَتْهُ وحَادَثَها. والاسْمُ الغَزَلُ. وتَغَزَّلَ فُلانٌ إِذَا تَعَاطَى الغَزَلَ، ويُقَالُ: غَزِلَ فُلانٌ يَغْزَلُ غَزَلًا إِذَا كَانَ صَاحِبَ غَزَلٍ. وكَثِيرًا مَا يَأْتِي هذَا المِثَالُ فِي أَفْعَالِ الخَلائِقِ والجِبِلاَّتِ النَّفْسِيَّةِ.
والنَّسِيبُ فِيهِ الوَصْفُ والتَّشْبِيبُ والتَّشْبِيهُ والمَدْحُ والذَّمُّ والشَّكْوَى والعِتَابُ وحِكَايَةُ الحَالِ ونَحْوُ ذَلِكَ، مِمَّا يَتَّصِلُ بِهِ ويَنْسَحِبُ مَعَه، ويُسْتَحَبُّ أَنْ يَدُلَّ الشَّاعِرُ عَلَى غَرَضِه بألفَاظٍ صَرِيحَةٍ مَشْهُورَةٍ إِلاَّ أَنْ يَخَافَ غَائِلَةً مِن التَّصْرِيحِ فيُعْرِضَ.