الصفحة 5 من 20

عَلَى مَذْهَبٍ لَمْ تُلفِ أُمًّا وَلا أَبًا ... عَلَيْهِ ولَمْ تَعْرِفْ عَلَيْهِ أَخًا لَكَا

فَاتَّصَلَ الشِّعْرُ برَسُولِ اللَّهِ عليهِ السلامُ - فأَهْدَرَ دَمَهُ، وقَالَ: (( مَن لَقِيَ مِنْكُمْ كَعْبَ بنَ زُهَيْرٍ فَلْيَقْتُلْهُ ) ).

فكَتَبَ بُجَيْرٌ إِلَى كَعْبٍ: النَّجَاءَ النَّجَاءَ, فَقَدْ أَهْدَرَ رَسُولُ اللَّهِ - عليهِ السَّلامُ - دَمَكَ، ومَا أَحْسَبُكَ نَاجِيًا. ثُمَّ كَتَبَ إِلَيْهِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - عليهِ السلامُ - ما جَاءَه أَحَدٌ قَطُّ يَشْهَدُ (أَنْ لا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ) إِلاَّ قَبِلَهُ، ولَمْ يُطَالِبْهُ بِمَا تَقَدَّمَ الإِسْلامَ, فأَسْلِمْ وأَقْبِلْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - عليهِ السلامُ -. فلَمَّا وَرَدَ عَلَيْهِ كِتَابُه تَوَجَّهَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -عليه السلامُ - قالَ كَعْبٌ: فأَنَخْتُ رَاحِلَتِي عَلَى بَابِ المَسْجِدِ، ودَخَلْتُ المَسْجِدَ، وعَرَفْتُ رَسُولَ اللَّهِ -عليهِ السلامُ- بالصِّفَةِ التي وُصِفَتْ لِي، وكَانَ مَجْلِسُ رَسُولِ اللَّهِ -عليهِ السلامُ - مِن أَصْحَابِه مِثْلَ المَائِدَةِ مِنَ القَوْمِ، يَتَحَلَّقُونَ حَوْلَهُ حَلْقَةً حَلْقَةً؛ فيُقْبِلُ علَى هَؤُلاءِ فيُحَدِّثُهُم, ثُمَّ عَلَى هَؤُلاءِ فَيُحَدِّثُهُم, فدَنَوْتُ مِن النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السلامُ - فقُلْتُ: أَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ. قَالَ: (( مَنْ أَنْتَ؟ ) ). قُلْتُ: كَعْبُ بنُ زُهَيْرٍ. قَالَ: (( الَّذِي يَقُولُ مَا يَقُولُ ) ). ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى أَبِي بَكْرٍ فَاسْتَنْشَدَهُ الشِّعْرَ، فأَنْشَدَ أَبُو بَكْرٍ:"سَقَاكَ بِهَا المَأْمُونُ كَأْسًا رَوِيَّةً". فَقُلْتُ: لَمْ أَقُلْ هَكَذَا, وإِنَّمَا قُلْتُ:

سَقَاكَ أَبُو بَكْرٍ بكَأسٍ رَوِيَّةٍ ... وأَنْهَلَكَ المَأْمُونُ مِنْهَا وعَلَّكَا

فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ عليهِ السلامُ: (( مَأْمُونٌ واللَّهِ ) ). فَأَنْشَدْتُهُ:"بَانَتْ سُعَادُ فَقَلْبِي اليَوْمَ مَتْبُولُ".

وفِي رِوَايَةِ سَعِيدِ بنِ المُسَيِّبِ قَالَ: قَدِمَ كَعْبُ بنُ زُهَيْرٍ مُتَنَكِّرًا، حِينَ بَلَغَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ أَوْعَدَهُ، فأَتَى أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- فَلَمَّا صَلَّى الصُّبْحَ أَتَاهُ بِهِ، وهو مُلَثَّمٌ بعِمَامَتِه, فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ, رَجُلٌ يُبَايِعُكَ عَلَى الإِسْلامِ، فبَسَطَ يَدَهُ فحَسَرَ عَنْ وَجْهِهِ، وقَالَ: بأَبِي أَنْتَ وأُمِّي يَا رَسُولَ اللَّهِ، هذا مَقَامُ العَائِذِ بِكَ، أَنَا كَعْبُ بنُ زُهَيْرٍ، فتَجَهَّمَتِ الأَنْصَارُ وأَغْلَظَتْ لَهُ، لِمَا كَانَ مِن ذِكْرِه النَّبِيَّ عَلَيْهِ السَّلامُ، وَلانَتْ لَهُ قُرَيْشٌ وأَحَبَّتْ إِسْلامَهُ، فَأَمَّنَهُ النَّبِيُّ عَلَيْهِ السَّلامُ, فأَنْشَدَهُ مَدْحَتَهُ التي يَقُولُ فِيهَا:

"بَانَتْ سُعَادُ فَقَلْبِي اليَوْمَ مَتْبُولُ"

فَلَمَّا وَصَلَ في مَدْحِ قُرَيْشٍ إِلَى قَوْلِه:

لا يَقَعُ الطَّعْنُ إِلاَّ فِي نُحُورِهِمُ ... وَمَا لَهُمْ عَنْ حِيَاضِ المَوْتِ تَهْلِيلُ

نَظَرَ رَسُولُ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلامُ إِلَى مَن عِنْدَهُ مِن قُرَيْشٍ، كأَنَّهُ يُومِئُ إليهم أَنِ اسْمَعُوا، حَتَّى قَالَ:

يَمْشُونَ مَشْيَ الجِمَالِ الزُّهْرِ يَعْصِمُهُمْ ضَرْبٌ إِذَا عَرَّدَ السُّودُ التَّنَابِيلُ

يُعَرِّضُ بالأَنْصَارِ لغِلْظَتِهِمُ التي كَانَتْ عليهِ، فأَنْكَرَتْ قريشٌ مَا قَالَ، وقَالُوا: لَمْ تَمْدَحْنَا إِذْ هَجَوْتَهُم، وَلَمْ يَقْبَلُوا ذَلِكَ حَتَّى قَالَ:

مَنْ سَرَّهَ كَرَمُ الحَياةِ فَلا يَزَلْ ... في مِقْنَبٍ مِن صَالِحِ الأَنْصَارِ

البَاذِلِينَ نُفُوسَهُمْ ودِمَاءَهُمْ ... يَوْمَ الفِياحِ وسَطْوَةِ الجَبَّارِ

يَتَطَهَّرُونَ كأَنَّهُ نُسُكٌ لَهُمْ ... بدِمَاءِ مَن عَلِقُوا مِن الكُفَّارِ

فَكَسَاهُ النَّبِيُّ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بُرْدَةً، اشْتَرَاهَا مُعَاوِيَةُ بنُ أَبِي سُفْيانَ مِن آلِ كَعْبِ بنِ زُهَيْرٍ -بَعْدَهُ- بمَالٍ كَثِيرٍ، وهي البُرْدَةُ التي يَلْبَسُها الخُلَفاءُ فِي العِيدَيْنِ، زَعَمَ ذَلِكَ أَبَانٌ. وبَعْدَمَا أَتَيْنَا عَلَى ذِكْرِ مَا يَجِبُ ذِكْرُه، فَلْنَأْخُذْ فِي شَرْحِ القَصِيدَةِ بَيْتًا بَيْتًا.

بَانَتْ سُعَادُ فَقَلْبِي الْيَوْمَ مَتْبولُ ... مُتَيَّمٌ إِثْرَهَا لَمْ يُفْدَ مَكْبُولُ

بَانَتْ: بَعُدَتْ، والبَيْنُ: البُعَادُ. وسُعَادُ: اسْمُ امْرَأةٍ فَلا يَنْصَرِفُ؛ لاجْتِمَاعِ العَلَمِيَّةِ والتَّأْنِيثِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت